سودان تمورو
صرفة في الارجاء
في زمنِ الانقلابات الفاجئة والتحولات العنيفة، يطلّ علينا واقع سودانيّ مر يعيد تعريف معنى “الدولة” و”المجتمع”. ليست هذه المرةَ الأولى التي يختَبر فيها السودانُ بمحنة وجودية، لكنها قد تكونُ الأسوأَ في سِجله الحديث؛ حيثُ تحوّل الجهلُ إلى استثمارٍ، والشتيمة إلى لغة، والسفيهُ إلى حاكم. في قلبِ هذه العاصفةِ يقفُ “الانصرافي” ليس كشخصٍ عابرٍ، بل كمشروعٍ تخريبي مُمنهج، يمثِّل ذروة استغلال التشوهات النفسية والاجتماعية لشعب بات يرتمي في أحضان الوهمِ.
لم يأت سيطرة “الانصرافي” على المشهد من فراغ، بل هي نتاج لقراءةٍ دقيقة لواقع اجتماعي منهك. لقد فهمَ الرجل ومن يحركونه أنّ الشعب السوداني ، بعد عقود من الحروبِ والانهيار الاقتصادي والاستبدادِ السياسيّ، أصبح قابلاً للانقياد وراء أي صوت يلمع كسرابٍ في صحراءِ اليأسِ. فحول “الجهل” إلى عملة، و”الكره” إلى شعار، و”الشتيمة” إلى فن. لم يعد خطابه يحتاج إلى منطقٍ أو رؤيةٍ، بل صار يعتمدُ على إثارةِ الغرائزِ الدنيا: التشفي، الانتقام، والكراهية المطلقة لكلِّ ما يختلف عنه.
هكذا نجح في تحويلِ “القطيع” —كما يصف أتباعه— إلى جيش من الظلال، يتحركونَ بإشارة، يهاجمون بلا سبب، ويدافعون عن أوهامٍ. لقد صنعَ لنفسه إمبراطورية من الضوضاء، حيث يسيطر صراخه على كلِّ منصة، ويختبئ العقلاء خوفاً من سهام التهديد والابتزاز.
ما حدث في السودان ليس مجرد تغيير في السلطة افضي الي حرب ، بل انقلاب في القيم. لقد سقطت كلُّ الرموز التي كانت تحملُ شيئاً من الهيبة “السودانيةِ” المتوارثةِ — تلك الهويةُ التي افتخرتْ بالكرم، والتعايشِ، والحكمةِ — لتحلّ محلَّها “ثقافة القاعِ”: الكذبُ، النهبُ، والقتلُ على مرأى الجميعِ. حتى اللغةُ نفسها لم تسلم؛ فباتت الشتائم تطرز خطابات الساسة، وتُغردُ على منصاتِ التواصلِ كالنار في الهشيم.
الأكثر إيلاماً أنَّ هذا الواقع لم يفرض بقوة السلاح فقط، بل بقبول اجتماعي صامت. لقد تحول المجتمع إلى مسرح للعبث، حيثُ يصفق للصعلوكِ إن جاد السبَّ، ويحتفى باللصِّ إنْ وزع فتات ما سرق. ووسطَ هذا الضياعِ، يبرزُ سؤالٌ مريرٌ: أين اختفت “الشخصيةُ السودانية” التي طالما تغنى بها الأدباء؟!
هل نستيقظُ قبل أن تصبح “الحرب على البليد” نهايتنا؟
ربما يكون “الانصرافي” قد كشف — عن قصد أو دونه — عن سرطان كان ينخر في جسد الأمة منذ زمن. الشعب الذي يوصف بـ”الشعب الطيب” لم يعدْ يخجل من أنْ يرى عارياً أمام العالم: عارياً من القيم، من الإرادة، ومن القدرةِ على تمييزِ الصديقِ من العدوّ.
لكنّ هذا الكشف المؤلم قد يكون بداية العلاج. فما لم نعترف بمرضنا، فلن نبحثَ عن دواء. إنَّ الحرب الحقيقيةَ ليستْ ضد “بليد” أو شخص، بل ضد السموم التي جعلتْنا نستسلمُ للجهلِ: التربوية الفاشلة، الإعلام المُتخم بالتفاهة، والطبقةَ السياسيةَ التي تلاعبتْ بأحلامِ الشبابِ.
: هل نعيدُ صناعةَ “السودانيِّ” من جديدٍ؟
الخروجُ من هذا النفقِ لن يكونَ بشتمِ “الانصرافي” أو إسكاتِ صوته، بل بمواجهةِ السؤالِ الأكبرِ: ماذا صنعنا بأنفسنا حتى أصبحنا وقوداً لمشاريع كهذه؟! إنها معركة وعي تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن “قلب الشعب” لم يعد أبيض، بل تشربَ بألوانِ الواقع القاتمة. فإما أن نعمل جميعا على إعادةِ بناءِ الإنسانِ — بثقافةٍ تعلي العقل، وتسامح، وعدالةً — أو سنظلُّ نرقص في دوامة “المليون بليد” حتى يفنى السودان والسودانيين
من صفحة الكاتب فى الفيس بوك
