سودان تمورو:
منذ أن نال السودان استقلاله، أضحت أراضيه مسرحًا لتدخلات إقليمية ودولية متواصلة، حيث سعت دول الجوار لفرض نفوذها على المشهد السوداني المضطرب. ففي عهد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، كانت ليبيا لاعبًا رئيسيًا في تأسيس ودعم حركات دارفور المناوئة للحكومة السودانية. أما يوغندا بقيادة يوري موسيفيني، فقد مدت يد العون للحركة الشعبية عبر الدعم المالي والعسكري واللوجستي. ولم تكن الإمارات بعيدة عن هذه الساحة، إذ قدمت دعمًا سخيًا لقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، في حين فتحت كل من تشاد وليبيا “حفتر” حدودهما لتسهيل تحركات تلك القوات. كما أفسحت كينيا المجال لاستخدام أراضيها لإعلان حكومة موازية للحكومة الشرعية في بورتسودان.
وعلى الرغم من هذا السيل المتدفق من التدخلات، لم يكن السودان مُستسلمًا أو مكتوف الأيدي. بل كان له دور في زعزعة استقرار دول الجوار، بدءًا بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، وصولًا إلى الإسهام في فصل إريتريا عن إثيوبيا ودعم المعارضة التشادية عام 2008، والمشاركة في إسقاط نظام القذافي. ومع ذلك، ظل السودان يتحرك بخفاء، بعيدًا عن الأضواء والإعلان العلني.
لكن تصريح الجنرال ياسر العطا، مساعد قائد الجيش السوداني، بأن مطاري أم جرس وإنجمينا في تشاد هما “هدفان عسكريان مشروعان”، يُعد انعطافة خطيرة وغير مسبوقة في تاريخ الخطاب السياسي السوداني. فالتصريح يحمل في طياته تهديدًا صارخًا، لا يهدد فقط بتصعيد قانوني ودبلوماسي، بل يمتد ليشمل احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة.
إن هذا التصريح لا يعكس فقط حالة التخبط التي تتسم بها القيادة السودانية، بل يبرز التناغم الغريب بين أطرافها، حيث يُظهر كل قائد موقفه وكأنه منفرد، لكنه يتماشى في النهاية مع الإطار العام للسياسات المتبعة. وعلى الرغم من خطورة هذه الكلمات، إلا أنها تبدو وكأنها تحظى برضا القيادة، وإلا كان البرهان قد بادر إلى كبح جماح تصريحات العطا، تمامًا فسبق أن ألقى قنابله الكلامية تجاه قادة آخرين، كالرئيس الكيني ويليام روتو، أو في تصريحاته تجاه الإمارات.
تصريحات العطا ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي أشبه بفتيل قد يشعل صراعًا إقليميًا واسع النطاق، ويضع السودان في موقف لا يحسد عليه أمام المجتمع الدولي، بينما تتعاظم التحديات داخليًا وإقليميًا على كافة الأصعدة. ولكن ربما قيادة البلاد ترى أن هذه التصريحات نوعا من الدبلوماسية الخشنة وأن على دراية على ما ستؤول إليه الأمور.
