سودان تمورو:
تُعد السياسة الخارجية من أهم أدوات الدولة في تحقيق مصالحها وحماية أمنها وتوسيع تأثيرها في المحيط الإقليمي والدولي. وقد أولى الإسلام هذا المجال اهتمامًا بالغًا، بوصفه دينًا رساليًا يتجاوز الحدود الجغرافية، ويهدف إلى إقامة العدل وهداية البشرية. تتجلى معالم السياسة الخارجية الإسلامية في القرآن الكريم والسنة النبوية، وفي التجارب التاريخية للدولة الإسلامية منذ تأسيسها في المدينة المنورة. وتستند هذه السياسة إلى مبادئ أخلاقية واضحة، تنظم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وتُحدد متى يكون السلم هو الخيار، ومتى يكون الجهاد مشروعًا. غير أن الواقع الدولي المعاصر، بما فيه من تغيرات استراتيجية، وتحديات سياسية وأمنية، يطرح تساؤلات عميقة حول إمكانية تفعيل هذه المبادئ وتحقيق أهدافها في عصر الدولة القطرية، وتحكم المنظومة الدولية الغربية.
أولاً: المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية في الإسلام
-1مبدأ التمييز بين الأصدقاء والأعداء على أساس الموقف من العدل والدين
السياسة الخارجية الإسلامية لا تقوم على العرق أو اللغة أو المصالح فقط، بل على منظومة قيمية ترتكز إلى الإيمان والعدل. فالقرآن الكريم يحدد بوضوح الموقف من الآخرين:
“لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ” (الممتحنة: 8).
في حين يدعو إلى الحزم مع المعتدين والظالمين:
“إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ…” (الممتحنة: 9).
وهذا يجعل من مبدأ “الولاء والبراء” أحد المحددات المركزية للعلاقات الدولية الإسلامية، لكنه ليس مفهومًا متطرفًا، بل منضبطًا بالعدل والوفاء.
2- الوفاء بالعهود والمواثيق
يُشكل الوفاء بالعهود أحد أعمدة العلاقات الدولية في الإسلام. قال تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ” (المائدة: 1)
وقد شدد النبي محمد ﷺ على احترام المعاهدات حتى مع غير المسلمين، كما في صلح الحديبية، وعهده لأهل نجران واليهود في المدينة. وقد اعتبر الفقهاء إخلال الدولة الإسلامية بالعهود من الكبائر، إلا إذا أخل الطرف الآخر بها أولًا.
3-التعايش السلمي والانفتاح مع الآخر
يدعو الإسلام إلى السلم متى كان ذلك ممكنًا، ويمنح الآخرين فرصة للتفاوض والحوار. يقول الله تعالى:
“وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا” (الأنفال: 61).
غير أن هذا السلام ليس ناتجًا عن ضعف، بل قائم على الكرامة والعزة، كما قال تعالى:
“وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ” (آل عمران: 139).
