الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارمن المستفيد من تقسيم السودان؟

من المستفيد من تقسيم السودان؟

سودان تمورو:

لا يُختزل تقسيم السودان في مجرد تغييرٍ للخرائط، بل هو تفجيرٌ مُتعمَّد لبؤرة استقرار إفريقية كانت قادرةً على لعب دور محوري في المعادلة الجيوسياسية. فالسودان بموقعه الاستراتيجي وثرواته الطبيعية وتاريخه النضالي، كان دوماً عُرضةً لمخالب التمزيق، سواء من قوى خارجية تسعى لإضعاف دور القارة الإفريقية، أو من نخب داخلية تختزل الوطن في مغنمٍ شخصي أو هويةٍ ضيقة. فمن ينتفع بتمزيق هذا الكيان العريق؟.

لا يُنكر إلا جاهلٌ أو متواطئٌ دور الكيان الصهيوني في دعم تقسيم الدول العربية والإفريقية كجزءٍ من استراتيجية “فرِّق تَسُد”. فالسودان -بتاريخه العروبي والإسلامي، وبمشاركته الفاعلة في الصراع العربي ضد إسرائيل منذ حرب 1967 وحتى دعمه للمقاومة الفلسطينية- يشكّلُ عائقًا أمام الهيمنة الإسرائيلية على منابع النيل والعمق الإفريقي.

مشاريع مثل “الشرق الأوسط الجديد” لكونداليزا رايس، أو “مخطط رالف بيترز” لتفتيت العالم الإسلامي، لم تكن نظريةً أكاديمية، بل تحوّلت إلى دليل عملٍ للقوى الاستعمارية. فإسرائيل لا تهتم بمواقف الأنظمة المؤقتة، بل تخشى شعوباً مثل السودانيين الذين يجسّدون ثقافة “إغاثة الملهوف” ويتفاعلون مع القضية الفلسطينية كقضيةٍ وجودية. التقسيم هنا ليس سوى إجهازاً على أي احتمال لقيام سودانٍ قويٍّ يُعيد إنتاج دور “قلعة المقاومة” في أفريقيا.

إذا كانت الأجندة الخارجية تدفع نحو التقسيم، فإن بعض النخب المحلية تُمهّد الطريق باختيارها الانغماس في لعبة التمزيق. ففي دارفور وغيرها، تتحرك فصائل مسلحة تحت شعارات “المطالب العادلة”، لكنها في الواقع أدواتٌ بيد جهاتٍ إقليمية ودولية، وقادتها “تجار حرب” يُبادلون دماء السودانيين بمناصبَ وامتيازات.

الأخطر هو أن بعض الأطراف داخل المركز الحاكم نفسه ترى في التقسيم حلاً “لإقصاء المنافسين”، خاصةً مع الكثافة السكانية والوزن السياسي المتصاعد لأبناء دارفور. فبدلاً من تبني مشروعٍ وطنيٍ شامل، يُفضّلون تقليص السودان جغرافياً وديموغرافياً لضمان هيمنة عرقياتٍ أو نخبٍ بعينها. وهنا يُصبح التقسيم مجرد غطاءٍ لمشاريع أنانيةٍ تُقدّم المصالح الضيقة على حساب وحدة التراب الوطني.

لا يقتصر التقسيم على أعداء الخارج أو جشع الداخل، بل يمتد إلى صراع النفوذ بين قوى إقليمية مثل مصر وإثيوبيا ودول الخليج، ودولية كالولايات المتحدة والصين. فالسودان بموارده وموقعه يشكل حلقةً في صراع التحالفات، والتفتيت يعني خلق كياناتٍ ضعيفةٍ قابلةٍ للابتزاز.

بعض الدول تدعم انفصال دارفور كـ”ورقة ضغط” لفرض اتفاقيات سياسية، عسكرية أو اقتصادية، بينما تُشجّع أخرى النزعات الانفصالية لضمان تبعية الكيانات الجديدة لها. حتى أن مشاريع “الفيدراليات” أو “الحكم الذاتي” قد تتحول إلى بوابة خلفية للتقسيم إذا لم تُراعَ فيها مصلحة الشعب السوداني ككل.

التقسيم ليس حلاً لأزمات السودان، بل هو إغراقٌ له في أزماتٍ لا نهاية لها. التاريخ يُعلّمنا أن الكيانات المُفتَّتة نادراً ما تحقق الاستقرار، بل تتحول إلى ساحاتٍ للصراع بالوكالة. المخرج الوحيد هو مشروعٌ وطنيٌ عادل يُشارك فيه كل السودانيين، ويُحاصر الأجندات الخارجية والنزعات الانفصالية.

السودان بقدرته على استيعاب تنوعه، وبإرثه الحضاري، قادرٌ على أن يكون نموذجاً للوحدة في التنوع – لكن ذلك يتطلب إرادةً داخليةً تُدرك أن التماسك الوطني هو أقوى سلاحٍ ضد مخططات التفتيت. فهل ينهض السودانيون لإنقاذ وطنهم، أم يتركوه غنيمةً لأعدائه وأصحاب المصالح الضيقة؟ السؤال الذي ستجيب عنه الأيام القادمة.

 

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات