سودان تمورو:
في تصعيد خطير يُذكّر بأزمات الماضي، نفّذت الهند ضربات جوية على مواقع داخل الشطر الباكستاني من كشمير، مدّعية استهداف “معسكرات إرهابية” رداً على هجوم باهالغام الذي أودى بحياة سياح هنود. من جانبها، ردّت باكستان بإسقاط طائرات هندية وقصف مقرات عسكرية، في مشهد يُجسّد استمرار حلقة العنف بين الجارتين النوويتين. لكن وراء هذه المواجهة العسكرية المباشرة، تُخفي الأزمة أبعاداً جيوسياسية أعمق، حيث تتحول كشمير مرة أخرى إلى ساحة لصراع القوى الكبرى.
لا شك أن باكستان لها تاريخ معتم في دعم جماعات مسلحة لتحقيق أهدافها الإقليمية، خاصة في كشمير، لكن اتهامها المباشر بهجوم باهالغام يبدو مستبعداً من الناحية الاستراتيجية. فباكستان، التي تعاني من أزمات اقتصادية خانقة وتحتاج إلى استقرار داخلي، ليست في وضع يسمح لها باستفزاز الهند عسكرياً. الأرجح أن هناك أطرافاً أخرى، ربما جماعات متطرفة مستقلة أو جهات تُحيك الفتنة لخدمة أجندات خارجية، هي من يقف خلف الهجوم. لكن الهند، بقيادة ناريندرا مودي، وجدت في الحادث فرصة لتعزيز خطابها القومي وتوجيه ضربة استباقية تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”.
مودي، الذي يواجه ضغوطاً سياسية داخلية، يعرف جيداً أن اللعب بورقة الوطنية يُوحّد خصومه خلفه، خاصة مع اقتراب الانتخابات.
لا يمكن فصل التصعيد الحالي عن التوترات الجيوسياسية الأوسع بين واشنطن وبكين. فباكستان حليف استراتيجي للصين، بينما الهند تقف في المعسكر الغربي. الصراع في كشمير، بذلك، ليس مجرد نزاع حدودي، بل هو جزء من حرب نفوذ بين القوتين العظميين. الصين، التي تربطها بباكستان علاقات اقتصادية وعسكرية وثيقة، ترى في إسلام آباد حاجزاً ضد النفوذ الهندي المدعوم أمريكياً. من جهة أخرى، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز تحالفها مع الهند لمواجهة التمدد الصيني في آسيا، مما يجعل أي مواجهة بين الهند وباكستان اختباراً لقدرات كل معسكر.
ردّت باكستان بسرعة على الضربات الهندية، لكنها حاولت الموازنة بين إرسال رسالة قوة وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. إسقاط الطائرات الهندية كان رسالة واضحة بأن الجيش الباكستاني لن يتردد في الرد، لكن التأكيد على عودة جميع طائراتها بسلام يُشير إلى رغبة في عدم تصعيد الأمور. حتى الآن، يبدو أن الطرفين يدركان خطورة المواجهة المباشرة، خاصة وأنهما تمتلكان ترسانة نووية. المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة، يُراقب الموقف بقلق. فتاريخ الهند وباكستان حافل بحروب اندلعت بسبب أزمات أقل خطورة. الخطر الأكبر هو أن أي خطأ في التقدير أو أي عمل عسكري متهور قد يُشعل فتيل مواجهة لا تُحمد عقباها، خاصة مع وجود قوات متواجدة على طول خط المراقبة في كشمير. الحل الوحيد يكمن في الضغط الدولي لتهدئة الأوضاع وفتح قنوات اتصال دبلوماسية. على باكستان أن تثبت التزامها بمواجهة الجماعات المسلحة على أراضيها، بينما على الهند تجنب استخدام القوة العسكرية كأداة للسياسة الداخلية. في النهاية، كشمير ليست مجرد أرض متنازع عليها، بل هي شعب يعاني منذ عقود، ويحق له أن يعيش بسلام بعيداً عن صراعات القوى الكبرى. الصراع الهندي الباكستاني هو جمر تحت الرماد، كل شرارة قد تُعيد إشعاله. والعالم اليوم، مع انشغاله بأزمات أوكرانيا والشرق الأوسط، لا يتحمل حرباً جديدة في جنوب آسيا.
