سودان تمورو:
ردّ السودان، أمس الخميس، على موقف الإمارات الذي رفضت فيه قرار قطع العلاقات معها باعتباره صدر عن سلطة «لا تمثل الحكومة الشرعية»، معتبراً أنه
«يقدم دليلاً جديداً على الدرك الذي وصلت له المحاولات المسعورة لنظام أبو ظبي للتدخل في الشؤون السودانية بطريقة فجة».
ليس حدثاً معزولاً
ولم يكن إعلان السودان قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات وتصنيفها دولة عدوان حدثاً معزولاً أو عابرا، وإنما خطوة متوقعة بعد التصعيد والاتهامات التي ظلت تطلقها الحكومة السودانية وبعض المنظمات الحقوقية الدولية حول تورط أبو ظبي في الحرب المندلعة في البلاد منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023 ومساندة «الدعم السريع» وهو الأمر الذي ظلت تنفيه الأخيرة مع ادعائها عدم الاعتراف بشرعية السلطات القائمة في السودان.
وتصاعدت وتيرة الأحداث بعد سلسلة من الهجمات الخطيرة للطيران المسيّر على مدار الأيام الخمسة الماضية والتي استهدفت منشآت مدنية حيوية واستراتيجية وأخرى عسكرية في مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة شرقي البلاد وعددا من المدن غيرها، واتهام مجلس الأمن والدفاع السوداني الإمارات العربية بالوقوف خلف تلك الاعتداءات وإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية معها والاحتفاظ بحق الرد.
وفي تصريحات جديدة، أكد الناطق الرسمي باسم الجيش، نبيل عبد الله، على تماسك القوات المسلحة والشعب السوداني، ووصف الحرب بالوجودية من أجل استقرار السودان.
وقال: «ندير معركتنا ونحن موقنون بأن النصر آت لا محالة مهما بذلت الأموال المشبوهة ومهما بذلت الإمارات من أموال،سينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يهزمون وسيضرب السودان مثلاً أعلى في البسالة والتضحية».
الإمارات، أعلنت الأربعاء أنها «لا تعترف بقرار سلطة بورتسودان، باعتبار أن هذه السلطة لا تمثل الحكومة الشرعية للسودان وشعبه».
وقالت إن «قرار ما يسمى مجلس الأمن والدفاع لن يمس العلاقات الراسخة بين دولة الإمارات وجمهورية السودان وشعبيهما».
وأشارت إلى أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات خطوة جاءت عقب رفض محكمة العدل الدولية الدعوى المقدمة من «الجيش السوداني» ضدها.
ورفضت محكمة العدل الدولية دعوى مقدمة من السودان ضد الإمارات وطلبا آخر بوضع تدابير فورية لمنع الإبادة الجماعية بسبب عدم اختصاصها، كما تجدر الإشارة كذلك إلى تقديم الخرطوم عددا من الشكاوى الأخرى في مجلس الأمن الدولي وبعض المنظمات الإقليمية والحقوقية بذات الخصوص.
وردت وزارة الخارجية السودانية على البيان الإماراتي، الذي صدر ردًا على قطع العلاقات بين البلدين، معتبرة أنه يجهل القوانين والأعراف الدولية التي تحكم الدبلوماسية، وانتقدت بشدة ما وصفته بـ«تدخل الإمارات في الشؤون السودانية».
وبينت أن البيان الإماراتي «يقدم دليلاً جديداً على الدرك الذي وصلت له المحاولات المسعورة لنظام أبو ظبي للتدخل في الشؤون السودانية بطريقة فجة، تعبر عن حالة فصام مستحكمة، إذ يدعو لفضائل لم يمارسها في يوم من الأيام».
وقالت إن «العالم يشاهد حالياً تصاعد إرهاب الدولة من نظام أبو ظبي على الشعب السوداني بمشاركته مباشرة في استهداف المدنيين والبنى التحتية والمرافق الحيوية بواسطة مختلف أنواع المسيرات والأسلحة الفتاكة، بعد فشل الحرب بالوكالة بواسطة الميليشيا الإرهابية المستأجرة».
يأتي ذلك في وقت أدان الإتحاد الأوروبي، مساء الأربعاء، الهجمات التي شنتها الدعم السريع على مدينة بورتسودان مشيراً في الوقت نفسه إلى أنها حدثت بدعم خارجي.
وقال إن هذه الأفعال المدعومة من جهات دولية لا تهدد سلامة ورفاهية المدنيين السودانيين والمواطنين الدوليين المقيمين في بورتسودان فحسب بل تقوض الاستقرار الإقليمي وتنتهك القانون الدولي الإنساني.
وأبدى قلقه العميق إزاء تصعيد الأعمال العدائية في السودان، مبيناً دعمه للاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين في دعوة الأطراف المتورطة في النزاع إلى وقف الأعمال العدائية والانخراط في حوار بنّاء والالتزام بحل سلمي، كما طالب جميع الدول التي تزود الأطراف المتحاربة بالأسلحة والأموال إلى وقف دعمها فوراً.
ويرى محللون سودانيون أن هجمات المسيرات الأخيرة تهدف إلى شل حركة الجيش في الانفتاح على إقليم غرب السودان بعد النجاحات الأخيرة التي حققها في الخرطوم وعموم وسط البلاد، بينما يقول آخرون إن «الدعم السريع» وخلفها دولة الإمارات تسعيان إلى جانب، تلافي الهزيمة الكاملة، الضغط لتمرير تسوية تبقي على مساحة نفوذهم ومصالحهم.
وفي حديثه لـ«القدس العربي» رأى المحلل السياسي، مجدي عبد القيوم، أن الأهداف الاستراتيجية من التصعيد الأخير والهجمات المتواصلة بالمسيرات هي سياسية وليست عسكرية وتسعى إلى إجبار الحكومة على الجلوس الى طاولة التفاوض من خلال الضغط الاقتصادي الذي يمكن أن يسببه تخريب منشآت حيوية كمستودعات النفط والغاز ومحطات الطاقة والمطارات وإرباك وتعطيل العمل في حركة الصادرات والواردات.
عامل ضغط على الحكومة
وأشار إلى أن الرسالة في مجملها في بريد الحكومة وأخرى للوسطاء الإقليميين والدوليين، وربما المواطنين بزيادة الضغط النفسي والمعيشي، بالتالي يتحولون إلى عامل ضغط على الحكومة وإجبارها على المضي في اتجاه التفاوض.
الصحافي السوداني ماجد محمد علي، قال لـ«القدس العربي»، إن الاعتداء على بورتسودان وضع الدولة في موقف لا تحسد عليه، لأن الإمارات تجاوزت كل الخطوط الحمراء وأصبحت تدير حربها ضد البلد وشعبه بالأصالة وليس عن طريق الوكالة.
وبين أن الخيارات أمام الدولة محدودة، فإما أن تخضع مباشرة للأجندة الإماراتية والإسرائيلية وتصورهم لدور وشكل السودان في المنطقة، أو البحث الفوري عن كل السبل لامتلاك القوة العسكرية القادرة على حماية البلد وشعبه والحفاظ على موارده. ورأى أن الموقف الصادر الآن من السودان يبدو مرتبكاً وربما يفتح الباب لاستمرار هذه الأعمال الإرهابية لأنه يوحي بأن السودان لا يملك الحيثيات التي بمقتضاها يمكن تقديم رد فوري على هذا العدوان.
وأشار إلى أن استهداف مدينة بورتسودان المطلة على البحر الأحمر يأتي في إطار أجندة الإمارات ومن يقف خلفها في المنطقة والتي تتمثل في إعادة السودان لمسار التطبيع مع إسرائيل ومسار الاتفاقية الإبراهيمية، وضم البلاد إلى التحالف الذي تقوده إسرائيل والإمارات وتتضح أهدافه في التنسيق بين أبو ظبي وإسرائيل في سوريا واليمن وليبيا والسودان.
ولفت إلى أن أبو ظبي تسعى لعزل السودان عن محيطه العربي وقطع صلته التاريخية بالقضية الفلسطينية واستخدامه في فتح الأبواب وتكريس النفوذ الإسرائيلي والإماراتي في العمق الأفريقي، مشيرا إلى طبيعة المشاريع الاستثمارية التي كانت تنوي الإمارات تنفيذها في السودان مثل ميناء أبو عمامة على السواحل السودانية المطلة على البحر الأحمر وخط سكك الحديد الذي كان من المقرر أن يربط الميناء في مدينة بورتسودان مع منطقة أدري على الحدود الغربية بين السودان وتشاد.
القدس العربي
