سودان تمورو:
مقدمة:
تُعد النظرية الواقعية، التي تُعرف أحيانًا باسم “مدرسة القوة”، إحدى أهم وأقدم النظريات التي هيمنت على حقل العلاقات الدولية، لا سيما منذ تأسيسه كحقل أكاديمي مستقل. وقد ازدادت مكانتها بوضوح في القرن العشرين، خاصة بعد الإخفاق الواضح للنظريات الليبرالية في تفسير التطورات السياسية الكبرى، وعلى رأسها الحروب العالمية والصراعات الدولية المستمرة.
ورغم أن الأفكار الواقعية تمتد جذورها إلى عصور قديمة مثل أفلاطون وثوسيديديس وميكافيلي، فإن بروزها كنظرية علمية مكتملة بدأ مع العقود الأولى من القرن العشرين، وتحديدًا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن، في ظل الفوضى الدولية والصراعات العنيفة. وكان كتاب هانز مورغنتاو الشهير “السياسة بين الأمم” بمثابة التأسيس الفعلي للواقعية الحديثة، إذ قدّم فيه نظرية شبه متكاملة لتفسير سلوك الدول في النظام الدولي.
تفرعت الواقعية لاحقًا إلى عدة تيارات، أبرزها:
الواقعية الكلاسيكية (مورغنتاو)
الواقعية البنيوية (الجديدة) (كينيث والتز)
الواقعية الدفاعية (ستيفن والت)
الواقعية الهجومية (جون ميرشايمر)
الواقعية النيوكلاسيكية (كيديون روز، فريد زكريا، وآخرون)
وعلى الرغم من اختلاف هذه الاتجاهات، فإنها تشترك في عدد من المسلمات الأساسية، مثل أولوية الدولة، مركزية القوة، الفوضى الدولية، والسعي للبقاء.
أبرز منظّري الواقعية:
إي. إتش. كار: مهد للواقعية التاريخية، ورفض المثالية.
هانز مورغنتاو: مؤسس الواقعية الكلاسيكية.
كينيث والتز: رائد الواقعية البنيوية.
جون ميرشايمر: منظر الواقعية الهجومية.
ستيفن والت: من أبرز ممثلي الواقعية الدفاعية.
فريد زكريا، توماس كريستنسن، راندال شويلر: من روّاد الواقعية النيوكلاسيكية.
مرتكزات الواقعية الأساسية:
رغم تباين مدارس الواقعية، فإنها تتقاطع حول جملة من الفرضيات النظرية، منها:
الفوضى الدولية: غياب سلطة عليا تنظّم سلوك الدول.
الدولة كفاعل مركزي: تُعدّ الوحدة الأساسية في النظام الدولي.
المصلحة الوطنية: الدافع الأساسي لسلوك الدول.
القوة: وسيلة رئيسية لتحقيق المصالح وضمان البقاء.
العقلانية: الدول تتخذ قراراتها بناءً على حسابات عقلانية.
الاعتماد على الذات: في غياب ضمانات خارجية، تسعى الدول لحماية أمنها بمفردها.
توازن القوى: آلية لمنع هيمنة دولة واحدة.
الواقعية النيوكلاسيكية (Neoclassical Realism):
نشأت الواقعية النيوكلاسيكية في تسعينيات القرن العشرين كامتداد وتطوير للواقعية البنيوية. وهي تسعى إلى سد الفجوة بين التحليل البنيوي للنظام الدولي والتحليل الداخلي للدولة، من خلال دمج العوامل البنيوية (مثل توزيع القوة في النظام الدولي) بالعوامل الوحدوية (مثل تصورات النخب السياسية، والمؤسسات، وهيكل الدولة).
يرى گيديون روز أن الواقعية النيوكلاسيكية تقدم إطارًا أكثر مرونة لتحليل السياسة الخارجية، إذ تراعي المحددات الدولية والداخلية في آنٍ واحد. فهي تعترف بأهمية الفوضى الدولية، لكنها تؤكد أن تأثيرها يمر عبر “عدسة” داخلية تتمثل في بنية الدولة وتقديرات قادتها.
مقارنة بين الواقعية النيوكلاسيكية والمدارس الأخرى:
أولًا: مقارنة مع الواقعية الكلاسيكية
الواقعية الكلاسيكية تركز على الطبيعة البشرية الأنانية والسعي للقوة.
الواقعية النيوكلاسيكية تتجاوز هذا التفسير لتدمج بين البنية الدولية وتصورات القادة وسياقاتهم الداخلية.
بينما تنطلق الواقعية الكلاسيكية من تحليل الدولة كفاعل موحد، تضيف الواقعية النيوكلاسيكية تحليلًا داخليًا لتفسير كيفية تفاعل الدولة مع البنية الدولية.
ثانيًا: مقارنة مع الواقعية البنيوية
الواقعية البنيوية (كينيث والتز) تركز على تأثير النظام الدولي الفوضوي على سلوك الدول دون وسائط داخلية.
الواقعية النيوكلاسيكية ترى أن هذا التأثير يتم من خلال متغيرات وسيطة مثل: فهم النخب، بنية الدولة، المؤثرات الثقافية، ومحددات السياسة الداخلية.
النيوكلاسيكيون يوازنون بين تأثير النظام الدولي والبيئة الداخلية، ما يجعلهم أكثر قدرة على تفسير التباين في سلوك الدول ذات الظروف البنيوية المتشابهة.
خاتمة:
تُعد الواقعية بمختلف تياراتها من أهم الأطر النظرية لتحليل العلاقات الدولية. وقد ساهمت الواقعية النيوكلاسيكية تحديدًا في توسيع أدوات التحليل الواقعي من خلال دمج المعطيات البنيوية والدوافع الداخلية. وبذلك، وفّرت هذه النظرية منظورًا أكثر شمولية وتفصيلًا لفهم السياسات الخارجية وسلوك الدول، مما يجعلها ذات قيمة خاصة في دراسة الأنظمة السياسية المتغيرة والتفاعلات الدولية المعقدة.
