خاص سودان تمورو
في خطابٍ مشبعٍ بالدبلوماسية خلال القمة الخليجية – الأمريكية بالرياض، جدّد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التزام بلاده بالعمل لإنهاء الأزمة السودانية عبر “منبر جدة”، بالتعاون مع الولايات المتحدة. لكن هذه العبارات المنمّقة لم تكن سوى غطاء لواقع أكثر مرارة.. لا السعودية ولا أمريكا تبذلان الجهد الكافي لوقف الحرب التي تمزق السودان منذ أكثر من عام، رغم قدرتهما الواضحة على ذلك. فما الذي يمنعهما؟.
حين يتعلق الأمر بالسودان، يبدو أن الثقل السياسي والاقتصادي لتلك القوى الكبرى يتراجع فجأة، وتخفت لغة التدخل الحازم، لتُستبدل ببيانات باردة ووعود مؤجلة. ازدواجية فاضحة في المعايير تبرز عند مقارنة الوضع السوداني بأزمات أخرى. فكيف تُرفع العقوبات فجأة عن سوريا بعد سنوات من الحرب والتشريد، بمجرد تغيير شكلي في الواجهة السياسية، بينما يظل السودان، رغم كل التنازلات والجهود التي قدمها قادته منذ سقوط نظام البشير، عالقاً في دوامة العقوبات واللامبالاة الدولية؟.
الحقيقة المؤلمة أن السودان لا يُعتبر أولوية، لا لدى واشنطن ولا لدى الرياض. لا لأنه بلا أهمية، بل لأنه – ببساطة – خارج حسابات النفوذ العاجلة. موقعه الجغرافي وثرواته الزراعية والمعدنية ونفطه الذي عرفته الشركات الأمريكية مبكراً، لم تكن كافية لتحرك شهية المصالح الكبرى. على العكس، يبدو أن هناك رغبة خفية في إبقائه هشاً، ضعيفاً، ممزقاً، يُدار عن بُعد من دون الحاجة لتكاليف التدخل المباشر.
الخطاب السعودي – الأمريكي عن السلام يفتقر إلى أدوات الفعل. لم نرَ عقوبات رادعة على معرقلي الحل، ولا تحركات حاسمة لتجفيف مصادر تسليح الأطراف المتحاربة، ولا ضغطاً جاداً يجبر القادة المتصارعين على الجلوس والتفاوض. وكأن السودان يُترك ليحترق، لا نتيجة فشل، بل ضمن خطةٍ مدروسة لإعادة تشكيل المنطقة بخرائط جديدة تعيد إنتاج التبعية.
أكثر من ذلك، فإن بعض القوى الإقليمية التي تلعب أدواراً خفية في تأجيج الصراع، لم تُواجَه بأي إجراءات حقيقية. يُسمح لها بالتدخل، بالتمويل، بالتسليح، ثم يُدعى السودانيون إلى طاولات مفاوضات تُعقد في عواصم من تُغذي الحرب أصلاً. هل هو عبث؟ أم هندسة مقصودة لتمديد الأزمة؟.
على السودانيين أن يدركوا أن لا أحد سيحمل لهم طوق النجاة. فالسودان لا يقع ضمن قائمة “الدول المستحقة للإنقاذ” إلا إذا تغيرت معادلات المصالح. ولذلك، فإن التعويل على مبادرات لا تملك سوى الخطاب لن يؤدي إلا لمزيد من الإحباط والدمار. المطلوب هو وعيٌ داخلي يرفض الانخراط في لعبة المحاور، ويصنع وحدة وطنية تُفشل رهانات التقسيم والإضعاف.
ما لم يُدرك السودانيون أن هذا الصراع يُدار من غرف خارجية بأجندات لا تمت لسلامهم بصلة، فستبقى بلادهم تُستنزف إلى أن تنضج ظروف صفقة كبرى لا يُعرف متى تحين. وحتى ذلك الحين، سيستمر نزيف الدم، لأن قوىً بحجم السعودية وأمريكا تستطيع أن توقف الحرب – لكنها لا تريد.
