سودان تمورو
في مشهدٍ يُجسِّد التناقض الأخلاقي الذي بات سمة للسياسات الغربية، يطل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، متحديًا الغطرسة الأمريكية التي يجسدها دونالد ترامب، ومفندًا السرديات البالية التي لا تزال واشنطن تكررها عن السلام والديمقراطية. تصريحات ترامب الأخيرة تكشف، كعادتها، عن نهجٍ لا يرى في شعوب المنطقة سوى أدوات للضغط، ولا يفهم إلا لغة التهديد والوصاية.
بزشكيان، بخطابٍ يستند إلى المنطق قبل العاطفة، وضع إصبعه على الجرح.. كيف تدّعي واشنطن السعي إلى السلام وهي ترعى تسليح الكيان الإسرائيلي بأحدث أدوات القتل، بينما تُسفك دماء الآلاف في غزة؟ هذا السؤال الذي أحرج الغرب، لا يحتاج إلى إجابة، فصور الأطفال تحت الركام أبلغ من أي بيان. أكثر من 60 ألف شهيد في غزة، أغلبيتهم من النساء والأطفال، ليسوا أرقامًا في تقارير، بل مرآة تعكس بوحشية من هو العدو الحقيقي للسلام.
ترامب، الذي عاد إلى المشهد السياسي بخطاب شعبوي متهالك، لا يقدّم جديدًا سوى العنف اللفظي. تهديداته لإيران، وسخريته المبطنة من بعض قادة الخليج، ليست إلا محاولات يائسة لإحياء دور متهالك لواشنطن في منطقة باتت شعوبها أكثر وعيًا. سخرية ترامب وادعاؤه أن بعض الدول “تحميها أمريكا”، لا تخفي حقيقة فشله في ردع الحوثيين في اليمن، ولا عجزه عن كسر إرادة محور المقاومة الذي ما زال يتحدى منطق القوة بالسلاح والإرادة.
محاولة ترامب لتقسيم المنطقة إلى “خاضعين” و”مارقين” تعكس ذهنية استعمارية لم تتغير. هو لا يمد يده للسلام، بل يستخدم “الفأس” ليكسر السيادة، و”الدَمْعَة” ليكسب التعاطف الزائف في خطاباته. لكن إيران، على لسان بزشكيان، كانت واضحة.. كرامتنا ليست للبيع. لن نقبل أن تُقدَّم لنا العبودية في ثوب الحماية، أو أن يُطلب من شعوبنا شكر واشنطن على عدم قصفها.
الأخطر في تصريحات ترامب ليس ما قاله صراحة، بل ما ألمح إليه.. إشعال الفتنة بين الدول، وتغذية الشكوك والانقسامات دون تسمية الأسماء. هذه السياسة التي باتت مألوفة من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، تهدف إلى تحويل المنطقة إلى ساحات صراع داخلي، بينما تنفذ واشنطن وتل أبيب أجندتهما. لكن إيران، برسالة قاطعة، ترفض الانجرار إلى هذا الفخ.. “سنبني هذا البلد سواء أرادوا أم لم يريدوا”.
إن ما يجهله ترامب، أو يتجاهله، أن زمن الهيمنة بالرعب قد ولى. المنطقة تغيّرت، والشعوب لم تعد تصدق روايات المنقذ الأمريكي. فشله في اليمن، وعجزه عن وقف الصواريخ، وانكشاف نفاقه الأخلاقي في غزة، كلها مؤشرات على أن الغطرسة لم تعد سياسة قابلة للتسويق.
اليوم، الرسالة ليست من طهران إلى واشنطن، بل من شعوب المنطقة إلى من يراهن على الحماية الأمريكية.. الكرامة لا تُشترى، والسلام لا يُفرض. ما دامت أمريكا ترى في العرب مجرد أرقامٍ في ميزان الربح والخسارة، فإن كل دعوة منها للسلام ستكون مجرد قناعٍ لوجه الحرب.
