سودان تمورو:
من يُتابع تحركات واشنطن في الأسابيع الأخيرة يدرك أن الولايات المتحدة لا تتصرف كوسيط سلام، بل كقوة إمبريالية تُهيئ المسرح لصدامٍ أكبر. كل مبادرة أمريكية ظاهرها “التهدئة” وباطنها “التفرغ”، وكل دعوة للمصالحة ليست سوى خطوة محسوبة في مسارٍ استراتيجي طويل هدفه كبح الصين وتقييد صعودها. فما يجري في غزة، وما يُطبخ في أوكرانيا، وما يُدار في طهران وأنقرة، ليس سوى إعادة توضيبٍ للجبهات تمهيداً لمواجهة تعتبرها واشنطن معركتها الأهم في القرن الحادي والعشرين.
لقد أدركت أمريكا أن تعدد الجبهات لم يعد رفاهية ممكنة، وأن الإنهاك الذي تسببت فيه حروبها الطويلة – من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية – بات يهدد قدرتها على خوض المواجهة الحقيقية مع الصين. لذلك نشهد اليوم اندفاعة دبلوماسية أمريكية لإغلاق ملفات مشتعلة منذ سنوات، لا بدافع إنساني، بل لرغبة ملحة في “تحرير اليد” من معارك ثانوية والانصراف بالكامل إلى المعركة الأم.. صراع الهيمنة مع بكين.
الصين لم تعد “منافساً تجارياً” ولا “قوة تكنولوجية صاعدة”، بل باتت التهديد البنيوي الأعمق للهيمنة الأمريكية. اقتصادها يحقق فوائض تتجاوز 43 تريليون دولار، ويغزو الأسواق العالمية بثقة. جيشها لا يقل تطوراً عن نظيره الأمريكي، ومقاتلاته، مثل الـ J-20، أثبتت تفوقها في اختبارات واقعية على حدود الهند. أما في ميدان التكنولوجيا، فقد أصبحت بكين مكتفية ذاتياً، بل تتفوق في عدد براءات الاختراع، وتقنيات الجيل السادس، وأشباه الموصلات. هذا التقدم الشامل أقلق واشنطن، لأن خصمها هذه المرة لا يرفع شعارات، بل يبني ببطء منظومة قادرة على إزاحتها.
من هنا، تفهم أسباب اندفاع أمريكا لتطويق الصين عبر تفكيك تحالفاتها المحتملة. روسيا، رغم صلابتها العسكرية، ليست إلا ورقة يمكن تعطيلها بالعقوبات والمفاوضات. إيران، التي طالما كانت خصماً مشاكساً، يُراد الآن تحييدها بتسوية نووية تبعدها عن التنين الصيني. أوروبا، الغارقة في أزماتها الطاقية والاقتصادية، تحتاج واشنطن لإعادة اصطفافها غرباً بعد أن تململت في أكثر من ملف. أما الشرق الأوسط، فإن أي تهدئة فيه ليست “هدية” للمنطقة، بل وسيلة لضمان ألا يجد فيه الصينيون موطئ قدمٍ يُضعف النفوذ الأمريكي التاريخي.
الإعلام الأمريكي يُروج لصورة “أمريكا العائدة كقوة سلام وأخلاق”، لكن التاريخ والمصالح يقولان غير ذلك. أمريكا لا تترك الجبهات رحمةً، بل استعداداً. إنها لا تُطفئ النيران حباً في الاستقرار، بل لتخزن الوقود لمعارك أهم. فما نشهده اليوم ليس نزعة إصلاحية في السياسة الخارجية الأمريكية، بل تمرين تكتيكي على حرب باردة جديدة يُعاد رسم خرائطها بصمت.
الصين، من جهتها، لا تنتظر كثيراً. تعمّق تحالفاتها في الجنوب العالمي، تتوسع في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتستثمر في عالم ما بعد الدولار. إنها تتحرك بصبر، بلا ضجيج، بينما تغرق أمريكا في شطرنج التحالفات والخطوط الحمراء. لكنّ السؤال الذي يُقلق الجميع ليس ما إذا كان هذا الصدام سيحدث، بل متى… وكيف سيكون شكل العالم بعده.
