سودان تمورو:
في عالمٍ باتت فيه المواقف تُقاس بحسابات الربح والخسارة، وتُغلف فيه المبادئ بورق المصالح، خرج اليمن ليكسر هذا المنطق الهزيل، مُعلناً أن القيم لا تُساوم، وأن دماء المظلومين ليست وقوداً لصفقات السياسة. من بين الحصار والجراح، من قلب الجوع والمآسي، ينهض اليمني كجبلٍ شامخ، يرفع راية العزة والكرامة، ويقول للعالم “لسنا أغنياء العتاد، لكننا سادة القرار”.
ما أقدم عليه اليمن بإعلانه استهداف ميناء حيفا وفرض حظر بحري فعلي هو خطوة غير مسبوقة في تاريخ المواجهة مع الكيان الصهيوني. إنها رسالة لا لبس فيها بأن الكرامة لا تُشترى، وأن غزة ليست وحيدة ما دام في الأمة من ينبض قلبه بالغيرة على المظلوم. هذه ليست مغامرة عسكرية، بل هي قفزة نوعية في معادلات الردع، تؤكد أن اليمني، حين يقرر، لا ينتظر الإذن من أحد، ولا يتراجع أمام ضجيج التحذيرات.
العالم اليوم يشهد على مفارقة مذهلة.. دولة تُعد من أفقر بلدان الأرض، تتحدى أعظم قوة بحرية في التاريخ، وتُرغمها على الاعتراف بخطورة ما تواجهه. تصريح القائم بأعمال رئيس العمليات البحرية الأمريكية لم يكن مجرد تحذير، بل إقرار ضمني بأن معادلات القوة تغيرت، وأن منطق الهيمنة لم يعد حصرياً على من يملكون حاملات الطائرات، بل بات لمن يملكون عقيدة لا تنكسر وإرادة لا تُقهر.
حين تُغلق العواصم أبوابها في وجه غزة، وتبيع بعض العروش دماء الشهداء في أسواق التطبيع، يقف اليمن ليقول: “نحن هنا”، لا نملك ثروات الغاز ولا ذهب الأرض، لكننا نملك ما هو أثمن.. الكرامة. لقد اختار اليمنيون أن يكونوا في الصف الأول من معركة الشرف، لا مدفوعين بإملاءات، بل مستجيبين لصرخة.. “ألا من ناصر ينصرنا؟”.
في زمن الصفقات، قرر اليمن أن يكون صفعة. وفي وقت الهزائم المعلنة باسم الواقعية، قرر أن يكتب واقعه بمداد الدم والبطولة. إن الشعب اليمني اليوم لا يدافع فقط عن غزة، بل يعيد تصويب بوصلة الأمة، ويقول إن الخذلان ليس قدراً، وإن المقاومة ليست خياراً بقدر ما هي واجب.
لقد أثبت اليمن أن الجغرافيا لا تحصر الإرادة، وأن الفقر لا يقتل الشهامة. لقد صنع اليمنيون، بصبرهم وصلابتهم، أسطورة من نور وسط ظلام الواقع العربي. فهنيئاً لليمن بأبنائه، وهنيئاً لفلسطين بنصيرٍ لم يخذلها، وهنيئاً للأمة بمن لا يزال يُحسن الفهم.. من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
إنها لحظة فاصلة في تاريخ العرب والمسلمين، لحظة تعيد تعريف البطولة، لا من خلال أرقام العتاد ولا عدد الطائرات، بل عبر القدرة على اتخاذ موقف شجاع في زمن عزّ فيه الشجعان. فتحية لليمن، قبلة العزة، وصوت الضمير، ورصاصة الكرامة الأخيرة في جبين الطغيان.
