الإثنين, أبريل 20, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيرسالة فوق العسكرية!.. بقلم احمد حسن

رسالة فوق العسكرية!.. بقلم احمد حسن

سودان تمورو:

في لحظة مفصلية تعيد رسم معادلات الردع في الشرق الأوسط، أطلقت القوات المسلحة اليمنية صاروخاً باليستياً من نوع “ذو الفقار” باتجاه مطار “بن غوريون”، مُعلنة عن نفسها كلاعب استراتيجي لا يمكن تجاهله. تزامن الإعلان مع التنفيذ، لحظة بلحظة، ليجعل من هذا الفعل ليس مجرد عملية عسكرية، بل مشهداً نفسياً مدروساً، اختُرق فيه الوعي الإسرائيلي قبل المجال الجوي. لم يكن القصد فقط إصابة هدف مادي، بل خلخلة عمق الثقة التي طالما تباهى بها كيان الاحتلال تجاه قدراته الأمنية.

إنه زمن اليمن الجديد، اليمن الذي قرر الانتقال من موقع الدفاع إلى قلب الهجوم، معلناً أن زمن الاستضعاف قد ولّى، وأن الجغرافيا يمكن أن تتمرد حين تُحكم الإرادة. فالهجوم لم يكن معزولاً عن السياق الإقليمي، بل جاء كجزء من معادلة أوسع.. إذا كانت غزة تحت النار، فالمطارات الإسرائيلية أيضاً ليست بمنأى عن اللهب. وهكذا، تتساقط بُنية الردع الإسرائيلي كأوراق خريف، وتغدو تل أبيب أقرب إلى هشاشة الأعصاب منها إلى الصلابة المدعاة .

الضربة اليمنية على بن غوريون لا يمكن فصلها عن وعي استراتيجي متقدم، تجاوز الرد الانفعالي إلى الفعل المحسوب. فما الذي يعنيه أن تتعطل حركة الطيران في أهم بوابات الكيان المحتل؟ يعني ببساطة أن العمق الإسرائيلي لم يعد آمناً، وأن هامش المناورة يضيق أمام صناع القرار في تل أبيب. أمامهم الآن مشهد مستوطنين مذعورين في الملاجئ، وسماء ملبدة بطائرات مسيرة وصواريخ عابرة، وواقع جديد يُكتب من صنعاء إلى حيفا.

اليمن، المحاصر منذ سنوات، يُعيد رسم خريطة القوة ليس بالتسليح فقط، بل بتفوق الإرادة. إنها إرادة لم تُكسر رغم الجوع والحصار والحروب المركّبة. واليوم، هذه الإرادة لا تكتفي بالصمود، بل تصنع الهجوم. في زمن كثر فيه المتفرجون على المجازر في غزة، قررت صنعاء أن تكون فاعلاً حقيقياً، لا مجرد ناقل بيانات أو عبارات شجب. اليمن اليوم يُجسّد التحالف الأصيل مع قضايا الأمة لا بالكلمات، بل بالنار.

ما نراه ليس فقط تطوراً في سلاح الصواريخ والطائرات، بل في الفهم العميق لطبيعة الصراع. فبينما تكتفي بعض الدول بالتعبير عن “القلق”، ينطلق صاروخ “ذو الفقار” ليُخبر العالم أن الكرامة العربية لم تمت، وأن المعادلة تغيرت.. لم تعد إسرائيل صاحبة اليد العليا في قواعد الاشتباك. وكلما طال العدوان على غزة، زادت الجبهات التي تفتح من أجلها.

لقد اختار اليمن لحظة نادرة في الوعي الشعبي العربي، ليُعلن أن الضعف ليس قدراً، وأن العدالة قد تجد من يحملها حتى من بين ركام الفقر والحصار. صنعاء اليوم لا تسأل الإذن من أحد، ولا تنتظر مباركة من قوة دولية، بل تقول كلمتها بلغة يفهمها المحتل جيداً.. السماء لم تعد ملككم وحدكم.

من كان يتصور قبل أعوام قليلة فقط أن يكون اليمن هو من يضرب “تل أبيب” ويجبر إسرائيل على إغلاق مطاراتها؟ لقد اختلت الموازين، وتكشّف الوهم، وسقطت الهالة. ففي المعركة التي تُخاض بالدم والعزيمة، لا مكان للمترددين. هناك رجال على قمم الجبال في اليمن، أعلنوا للعالم أن غزة ليست وحدها، وأن الكرامة إذا نطقت، تُسمع صداها في عمق “بن غوريون”.

إنه زمن الحقيقة المجردة.. الردع لم يعد امتياز الكبار فقط، بل سلاح من يملك الإرادة. واليمن، رغم الحصار والخذلان، قرر أن يضع بصمته في معركة كبرى، ويُشعل أمل الشعوب أن ما أُخذ بالقوة يُمكن أن يُستعاد بالقوة، إن وُجدت النية وشُحذت الهمم.

“لكل فعل رد فعل، وأصغر الدول قد تُخرج من جعبتها ما يُذهل العمالقة” — وفي اليمن خير دليل.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات