سودان تمورو:
في ظل المشهد السياسي المتصدّع الذي يعيشه السودان، تبرز أزمة تعيين المسؤولين وتوزيع المناصب كواحدة من أكثر القضايا إلحاحًا وخطورة. لم تعد المناصب تُمنح على أساس الكفاءة أو الخبرة أو التأهيل العلمي، بل باتت تُوزّع وفق منطق الغنائم بين القوى المسلحة والكيانات التي تحمل السلاح، وكأنها تذكرة عبور للمشاركة في الدولة. هذا الانحراف الخطير عن مبادئ الدولة الحديثة وقواعد الحكم الرشيد لا يهدد فقط مستقبل التحول الديمقراطي، بل يُنذر بانهيار كامل لفكرة الدولة ذاتها، ويُكرّس واقعًا مشوهًا من الفوضى المؤسسية والمحسوبية السياسية.
منح المناصب بناءً على الانتماء لحركة مسلحة أو ميليشيا متمرّدة، هو استهزاء صارخ بمبدأ الكفاءة، وتفريغ لمؤسسات الدولة من مضمونها. فكيف يُنتظر من وزير أو مسؤول لا يحمل مؤهلاً أكاديميًا مناسبًا، ولا يمتلك خبرة مهنية، أن يدير قطاعًا حيويًا من قطاعات الدولة؟ وكيف يمكن أن تنهض الوزارات وتُقدَّم الخدمات للمواطنين، بينما يتم إسنادها لأشخاص كل رصيدهم أنهم رفعوا السلاح يوماً أو أبرموا اتفاقًا سياسياً بضغوط دولية؟ إن ما يحدث هو تكريس لثقافة اللامسؤولية، وإضفاء شرعية على منطق القوة، وطمسٌ متعمد لمعايير الجدارة والمهنية التي تُبنى بها الدول.
لقد أفرزت اتفاقيات السلام، وعلى رأسها اتفاق جوبا، واقعًا شاذًا سمح للمليشيات أن تتحول إلى شركاء في الحكم دون المرور بممر الشرعية الشعبية. وتم استخدام مبدأ “الشراكة” كغطاء لتوزيع السلطة بطريقة تفتقر للعدالة، حيث غُيّبت الكفاءات، وتمّت مكافأة من يحمل السلاح ويهدد السلم الأهلي. ولعلّ الأسوأ من ذلك أن كثيرًا من هذه الحركات المسلحة تدرك تمامًا أنها لا تملك قاعدة جماهيرية حقيقية، ولا يمكنها الفوز في أي انتخابات نزيهة، لذلك تسعى لفرض وجودها عبر الصفقات السياسية وتهديد الاستقرار.
إن الدولة التي تسمح بهذه المساومات تفقد قدرتها على الحكم الرشيد، وتتحول إلى كيان مُختطف من قبل مراكز قوى لا تخضع لأي محاسبة. أما الكفاءات الوطنية من ذوي التخصص والخبرة، فيجدون أنفسهم خارج دائرة الفعل، مهمّشين في وطنهم، فقط لأنهم اختاروا طريق السلم والعمل المدني. وهذا المشهد يُمثل اغتيالًا ممنهجًا لطموحات جيل كامل من السودانيين الذين حلموا بدولة مدنية قائمة على القانون والمؤسسات، لا على لغة السلاح والمزايدات القبلية والسياسية.
المعضلة الكبرى أن هذه الحالة لا تنتج فقط ضعفًا في الأداء الحكومي، بل تؤسس لفشل دائم في تحقيق الاستقرار. لأن الدولة التي تُدار بلا كفاءة، ولا تمتلك مؤسسات فعّالة، ستفشل حتمًا في تقديم الخدمات، وستزيد من معاناة المواطنين، مما يُولّد حالة من الإحباط الشعبي ويفتح الباب واسعًا أمام الفوضى والتمردات الجديدة. هكذا تستمر الحلقة المفرغة.. تمرد يؤدي إلى اتفاق، الاتفاق يمنح مناصب، المناصب تُدار بفشل، والفشل يُنتج تمردًا جديدًا.
إن أي مشروع لبناء الدولة السودانية يجب أن يبدأ من هذه النقطة الجوهرية.. لا سلطة بلا كفاءة. ويجب أن يتضمن الدستور القادم نصًا واضحًا لا لبس فيه، يمنع منح المناصب على أساس الانتماء المسلح أو المحاصصة الجهوية، ويلزم الحكومة بأن تخضع التعيينات لمعايير مهنية دقيقة تعتمد على المؤهل العلمي والخبرة العملية والسجل الوظيفي. هذا هو الضمان الوحيد لاستعادة ثقة المواطن، وبناء مؤسسات قادرة على النهوض بالبلاد، وتوفير الخدمات، وتحقيق التنمية.
ولا بد من التأكيد أن دمج الحركات المسلحة في مؤسسات الدولة، خصوصًا في الجيش، يجب أن يتم وفق معايير مهنية صارمة، لا على أسس سياسية أو جهوية. فمؤسسة الجيش هي العمود الفقري للدولة، وأي اختراق فيها يهدد وحدة البلاد وأمنها القومي. أما على المستوى السياسي، فيجب تشجيع هذه الحركات على التحول إلى أحزاب مدنية، تُنافس في الساحة السياسية ببرامج لا ببنادق، وتخضع للحكم الشعبي في صناديق الاقتراع لا عبر غرف التفاوض.
نحن لا نقف ضد السلام، بل على العكس تمامًا، فإن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى إلا على قواعد العدالة والجدارة والمساواة. أما سلام المحاصصة فهو هدنة مؤقتة سرعان ما تنفجر عند أول أزمة. ولا يمكن بناء دولة حديثة بمجموعة من المليشيات المتصارعة التي ترى في المنصب غنيمة لا مسؤولية، وفي المواطن تابعًا لا شريكًا.
السودان اليوم بحاجة إلى ثورة مفاهيم داخل مؤسسات الحكم نفسها. ثورة تُعيد الاعتبار للكفاءة، وتُقصي منطق الابتزاز السياسي، وتُعلي من قيمة العمل الوطني المبني على التأهيل والخدمة العامة. هذا ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من أمل في بناء وطن يتساوى فيه الناس بالحقوق والفرص، وتُحترم فيه عقول أبنائه، ويُكرَّم فيه كل من يملك القدرة على العطاء لا على التهديد.
