سودان تمورو:
لا التاريخ سيغفر ولا الضمير العالمي سيبقى على حياده فيما تقترف الولايات المتحدة جريمة سياسية جديدة باستخدامها حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار أممي يطالب بوقف إطلاق النار في غزة. هذا الفيتو ليس مجرد موقف دبلوماسي بل إعلان شراكةٍ صريح في مجزرة مكتملة الأركان ترتكبها إسرائيل على مرأى من العالم وبتوقيع أمريكي رسمي. لم تعد أمريكا تُخفي تحالفها مع القاتل بل تشرعن سيفه وتغذي رصاصه وتمنع عنه حتى صوت الإدانة وكأن العدالة باتت تُجزّى على أساس العِرق والجغرافيا والانتماء السياسي.
من يمول الجلاد لا يمكن أن يكون قاضياً ومن يسكت على القتل يصبح شريكاً فيه. كيف تُقنعنا واشنطن أنها “وسيط نزيه” في صراع هي من صاغ خرائطه وزرع ألغامه؟! أي حياد هذا الذي يُساق عبر حاملات طائرات وصواريخ موجهة وقنابل ارتجاجية تُدكّ بها بيوت الآمنين؟! لا حياد في المعركة حين تكون الضحية معلومة والقاتل معلناً والسلاح موقعاً عليه من البنتاغون. إنها مهزلة النظام الدولي الذي ما زال يطلب من العرب انتظار عدالة من عرّابي الاستعمار الجديد.
لقد سقط القناع مرةً أخرى. تفضح أمريكا نفسها كلما ادّعت الدفاع عن حقوق الإنسان وهي تمارس أبشع صور الانحياز والاستعلاء الإمبريالي. حقوق الإنسان وفق المنظور الأمريكي سلعةٌ تُباع وتشترى وتُعلّق على حائط المصالح عندما تُذبح غزة ويُحاصر شعب بأكمله لأنه يرفض الاستسلام. هذا الفيتو وهذا الاصطفاف العلني مع الإبادة كشف الوجه الحقيقي للأمم المتحدة حين تُدار من خلف الستار الأمريكي وتحكمها توازنات القتل لا ميزان العدالة.
لقد وصف المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري إسرائيل بأنها “دولة وظيفية” وها هو المشهد اليوم يكتمل.. كيانٌ زُرع في خاصرة الأمة لتأدية وظيفة محددة في مشروع الهيمنة الغربية. اليوم تُترجم أمريكا هذه الرؤية بحذافيرها.. لا تعترف بدولة فلسطينية ولو على 100 متر مربع وتُسرع في إجهاض أي مسار سياسي يمنح للفلسطينيين أي شكل من أشكال السيادة. لأن الاعتراف بفلسطين حتى على الورق يُسقط شرعية الاحتلال ويعرقل حلم إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. ومن هنا كان الفيتو الأمريكي أكثر من مجرد “لا” في قاعة مجلس الأمن؛ كان تأكيداً بأن المشروع الصهيوني ليس مشروع إسرائيل وحدها بل هو رأس حربة في نظام استعماري جديد تُديره واشنطن وتغذّيه بلا خجل.
منذ وعد بلفور وحتى صفقة القرن لم تكن أمريكا إلا الراعي الرسمي لاغتصاب فلسطين. تتحدث عن حل الدولتين بينما تُنفق المليارات لتوسيع المستوطنات. تتغنّى بالحرية وهي تُحاصر غزة حتى تختنق ثم تذرف دموع التماسيح على “المعاناة الإنسانية”. أي نفاق هذا؟! أي مهزلة؟! لقد آن الأوان لأن تنتهي هذه المسرحية البائسة. آن الأوان لأن يُدرك العرب والمسلمون وكل أحرار العالم أن لا سلام يُصنع على طاولة الاستعمار ولا حرية تُنتزع بإذنٍ من قاتل.
إن الحرية لا تُمنح. الحرية تُنتزع وتُنتزع فقط حين يفهم الفلسطيني ومعه أمته أن أمريكا ليست وسيطاً بل طرفٌ أصيل في معركة وجود. وأن الأمم المتحدة ليست محكمة بل مسرحٌ يُدار بالإملاءات الأمريكية. كل قرار يمر وكل فيتو يُرفع هو جرس إنذار أخير.. لا تنتظروا العدالة من صُنّاع الإبادة. لا تراهنوا على مَن يسلّح قاتلكم ويتفاخر بصداقته مع الاحتلال.
الفلسطيني اليوم لا يملك إلا إرادته ولا سلاح له إلا صموده. لكن هذا وحده كافٍ لفضح شرعية العالم الكاذبة. لأن ما يُعيد للإنسان كرامته ليس التصفيق في قاعات مغلقة بل أن يقول “لا” في وجه من يريد محوه من الوجود. وهذا ما يفعله أطفال غزة حين ينهضون من بين الركام لا ليسألوا أين العالم بل ليقولوا.. نحن هنا.. ولسنا للبيع.
الفيتو الأمريكي الأخير ليس نهاية القصة بل بدايتها الحقيقية. قصة شعبٍ لا يُكسر وأمةٍ آن لها أن تُدرك أن معركتها ليست فقط من أجل فلسطين بل من أجل حقها في الوجود بكرامة في عالمٍ لا يحترم إلا من يُجبره على الاحترام.
