سودان تمورو
ان تبني المفاهيم السياسة لتقاليد السلطة كما توطنت في الخبرة الغربية وإسقاطها من ثم على ما تم من تعاقدات في انموذج الدولة في مجتمعاتنا، يرجع في تقديرنا إلى سيطرة نموذج الدولة القومية على الفكر السياسي المعاصر، وافتقاره هذا الأخير إلى نظرية خاصة به في مجال الاجتماع السياسي بصفة عامة، مما أوقع الحياة السياسية لمعاصرة ويوقعها في إشكالية الهيمنة والتمرد، والحرية والنظام، والشورى والوحدة ومراحل الانتقال، وإشكالية التنمية والعدل الاجتماعي، وإشكالية الهوية والأنا والأخر، واكتساح القيم المادية ومنطق السلطة المادي في الصراع والأنانية والنفاق السياسي، وإقصاء الآخر … الخ.
كون أن اتجاه قبول البنى التنظيمية وليدة الخبرة الاوربية من جهة، ومحاولة «تأصيلها» من داخلها من جهة أخرى، اتجاه محكوم عليها بالخطأ العلمي مسبقا من الناحية النظرية، وذلك لقوة الربط بين الرؤية والأداة التي تعبر عنها، مما يقود في نهاية المطاف إلى غلبة القيم المادية الخاصة بتلك الأطر التنظيمية، وطردها من ثم للقيم الأخلاقية الكامنة في المجتمعات التي يراد بناء الدولة القومية بها، والتي يراد تحديثها أو المزاوجة بينها وبين القيم المادية «الليبرالية»، لاسيما في ما يتعلق بقيم مثل قيم ولاية المجتمع على السلطة فيما يتعلق بالإدارة والتعيين والقرار الإداري، وقيم التعاون والاختيار والقرار الجماعي، وعندها فإن محاولة «التأصيل» تصبح محاولة لا تتجاوز حدود الشعارات والسياسات العامة، لا تتعداها إلى مضامين البرامج وعلاقاتها التفصيلية، دعك من خلوصها الى علاقات مرنة للسلطة السياسية.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فان عملية نقل بنية الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال إلى العالم غير الأوربي، كمقدمة لدولة القومية كإطار عملي وقانوني لها قد جاءت مرتبطة وقبل كل شيء بالترتيبات الاستعمارية، التي تريد أن تجعل من العالم غير الاوربي، تابعاً للعالم الغربي المستعمر وربطه بالسوق العالمي، بحجة نقل قيم المدنية والحضارة والحرية، فهي أي الدولة المركزية، قد أنشئت لخدمة الدول الاستعمارية منذ البداية، وكان الهدف منها هو ضبط العالم غير الاوربي وتوجيهه، لصالح الخارج ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً … الخ.
سوي انه وعلى الرغم من الحقيقة القائلة بأن الدولة القائمة على مبادئ الحكم الدستوري هي أكثر الأشكال نجاحاً في دول القرن المنصرم، وهي النموذج الذي تتطلع إليه الدول غير الأوربية، إلا أن هناك حالة اضطراب وتناقضات ضخمة بادية في بنية وطبيعة ووظيفة فكر خطابات دولة القومية، كونها تعبر فقط عن مجرد واجهة فلسفية تخفي ورائها مصالح الجماعات الحاكمة، فضلاً عن صعود الخطاب المتوحش للفردانية وإشكالية القومية ذات البعد الفرداني المادي، كونه وفي ظل خطاب تنامي النزعات الفردانية، لا تعدو المواطنة أن تكون دافعاً لتحصيل حقوق مادية للفرد يسعى لتوسيع دائرتها أقصى ما يمكن، استجابة لدوافع اللذة والمتعة والمنفعة الشخصية، في ظل ضمور روح التطوع والضمير الخلقي والحس الجماعي وانكفاء الفرد غلى ذاته حدّ الولع النرجسي. وهو ما تظافر مع انتشار النسبية الأخلاقية والنزعة الأنانية، وكذا تفكك الروابط الاجتماعية وانفصال الذات الفردية عن الذات المجتمعية.
ولئن كانت دولة القومية تعتبر السياسة موضعا للتعاقد الاختياري بين مواطنين أحرار، إلا أنها تخفي إخضاعها الناعم للأفراد من خلال آليات التطويع والترويض والقهر، فالمواطن الحر ليس كائنا حقوقيا مجردا بل هو قبل كل شيء كائن حي خضع ومازال يخضع لأشكال شتى من الضبط والإكراه الناعم المنبث في مختلف مناحي النسيج الاجتماعي والسياسي على حد تعبير “ميشال فوكو”، مما يجعل هذا القمع الناعم لسلوك المواطن قابلا للضبط والتوجيه والتحديد ضمن وعاء سياسي محدد ومنضبط، اما فكرة مشاركة المواطن في تحديد سياسات الدولة الخارجية في إطار دولة القومية فإنها في حاجة إلى مراجعة. حيث نجد مثلا أن تحديد السياسات الداخلية والخارجية في النظم الليبرالية لا يخضع لمواقف مجموع المواطنين، وإنما لتحالفات النخب السياسية ودوائر النفوذ المالي والإعلاميّ، ومهما قيل في شان مساهمة الدولة القومية في تقليص مخاطر التوتالتارية والأنظمة الشمولية، إلا أن استفحال الفردانية والتفكك الاجتماعي وخضوع الإنسان لترشيد المواطنة الفردانية وإكراهاتها تجعلنا نفكّر جديا في ضرورة الفصل بين نموذج الدولة القومية ونموذج بناء الحياة السياسية في العالم غير الاوربي، وضرورة إيجاد صيغ متعالية أعدل وأكثر إنسانية لمعنى السياسة.
وبالمحصلة فإن نظرية دولة القومية قد أعطيت دوراً رئيسياً ومركزياً كبيراً لا تستحقه، ليس في مشكلات حياة المجتمعات والشعوب الإسلامية فحسب، بل حتى في حياة الانسان بصفة عامة كونها لا تحقق معاني الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. وهكذا فإن هناك ثمة عوامل متكاثرة تدعوا الى التفكير بشكل مختلف – لاسيما في عالمنا الإسلامي- لمواجهات المتغيرات الخطيرة التي يشهدها هذا العالم، وهي المتغيرات الداخلية المتعلقة بظاهرة تآكل الدولة القومية الوطنية بل انهيارها، والأخرى خارجية متعلقة بأحوال النفوذ والضغوط التي تمارسها السياسة الإقليمية والدولية والعلاقات الدولية. وهي الإشكالات التي تظهر في ان دولة ما بعد الاستعمار “الدولة الوطنية في العالم غير الاوربي”، حيثما وجدت فإنها تواجه مجموعة متلازمة من الازمات “الداخلية” الملازمة لها، كإشكالية الشرعية السياسية والهوية الاجتماعية والعدل الاجتماعي واغتراب الانسان … الخ، كونها الازمات العميقة وان اختلفت في درجة حدتها من دولة الى اخري في العالم غير الاوربي الا انها لا تختلف في نوعيتها، وبإمكاننا إعطاء إشارات فلسفية ونظرية، توضح عوامل تهافت محاولات تبيئه دولة القومية من الناحية النظرية، وانتفاء مبررات وجودها التاريخية والنظرية.
وهكذا فإن طبيعة النظام السياسي، يجب أن تكون نابعة من التصورات المعرفية ومجسدة للقيم والثقافات الاجتماعية والإنسانية للأمة الإسلامية، وبالتالي تتطابق حدودها مع تصوراتها الثقافية العامة، بحيث تشكل كلاً واحداً منسجماً تماماً في جميع عناصر ومؤسساته الثقافية والاجتماعية والسياسة … الخ. كونه لا يمكن تجديد نهضة الأمة الإسلامية إلا من داخلها، ومن خلال الاندماج في قيمها الثقافية العامة، فتاريخ الأمة الإسلامية، لا يمكن صنعه وتجديده من الخارج، إذ ليس صحيحاً أن إعادة بناء الأمة الإسلامية السياسي، إنما يكون على قرار التحديث الذي تم في الغرب، مما جعل محاولات التحديث في الاسلام، وفقاً للتصور الغربي للسياسة، وهم خادع وسراب كاذب، فالذي يقرر النهضة على شاكلة ما حدث في الغرب يتعالى على ثقافه مجتمعه، وهذا هو سر فشل كل محاولات التحديث في الاسلام
