الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيإيران وأمريكا.. من يصرخ أولاً في معركة الأعصاب النووية؟.. بقلم نزار أحمد

إيران وأمريكا.. من يصرخ أولاً في معركة الأعصاب النووية؟.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو:

في دهاليز السياسة الدولية لا تُخاض المعارك الكبرى دائماً على الأرض بل في العقول ومع إيران وأمريكا يبدو أن الحرب الدائرة ليست حرباً تقليدية بل معركة كسر إرادات وحرب نفسية تُخاض بكل أدوات الردع الإعلامي والتقني والدبلوماسي. وما يبدو على السطح من تقارير وكالة الطاقة الذرية أو تصريحات المتحدثين باسم البيت الأبيض ما هو إلا وجه خادع لصراع أشد عمقاً عنوانه.. من ينكسر أولاً؟ من يصرخ أولاً؟ ومن يُقدّم التنازل الاستراتيجي الأكبر في نهاية المطاف؟.

واشنطن تمارس أقصى درجات الضغط بأدوات مدروسة.. تقارير الوكالة تُستخدم كذريعة لتكثيف العقوبات استنفار في القواعد الأمريكية بالخليج وتحريض إسرائيلي متصاعد يلوّح بأن إيران “تهديد وجودي”. لكن الواقع أن الولايات المتحدة بحسب تاريخها العسكري لا تدخل حرباً دون ضمانات النجاح السريع وتقليل الخسائر. وإيران التي كانت أضعف حالاً في العقدين الماضيين لم تُهاجم حينها فكيف اليوم وقد باتت تمتلك منظومة صاروخية متطورة وحلفاء منتشرون من اليمن إلى لبنان وقاعدة شعبية تزداد توحّداً تحت الضغط الخارجي؟.

إيران من جانبها لا تلعب دور الضحية ولا المتهور. الرد يأتي بتشغيل مراكز تخصيب جديدة وتأكيد علني على استمرار البرنامج النووي تحت سقف السيادة الوطنية. وعلى الرغم من محاولات الغرب تصوير إيران كتهديد عالمي فإن طهران تواصل التأكيد على موقفها العقدي بعدم السعي لتطوير سلاح نووي معتبرة ذلك محرّماً دينياً واستراتيجياً. فالسلاح الذي لا يمكن استخدامه يصبح عبئاً والنظرية الإيرانية ترى أن امتلاك التقنية بحدود محسوبة هو الضمان الحقيقي لحفاظ على أمنها وسيادتها لا للدخول في سباق تسلح إقليمي.

وإيران لا تخشى تهديدات واشنطن لأنها تعرف طبيعة خصمها جيداً. وقد لخّص المرشد الأعلى الإيراني ذلك بوضوح في لقائه مع رئيس الوزراء الياباني الراحل شينزو آبي حين قال.. “لو كانت أمريكا قادرة على تغيير النظام في إيران أو خوض حرب معنا لفعلت منذ زمن ولم تكن لتنتظر لحظة واحدة.” هذا التصريح لم يكن مجرد تحدٍ لفظي بل كشف عن يقين راسخ بأن كل ما يجري من ضجيج في واشنطن هو جزء من مسرحية الردع لا قرار مواجهة حقيقية.

الولايات المتحدة تعتقد أن حملات التلويح بالعقوبات وإخافة الدول المجاورة من إيران قد تُجبر طهران على قبول اتفاق جديد يُجردها من قدرتها النووية السلمية. لكنها تتناسى أن الطرف المقابل لا يزال يحمل في ذاكرته مصير القذافي حين تخلّى عن قدراته مقابل وعود لم تُحترم. لذلك ترى إيران أن أي تنازل تقني قد يفتح الباب أمام التعرية السياسية والعسكرية وهو ما لن تسمح به.

ورغم أن المنطقة تشهد أكثر لحظاتها هشاشة إلا أن اندلاع حرب شاملة يظل احتمالاً بعيداً لا لأن النوايا سلمية بل لأن أحداً لا يستطيع تحمّل التكاليف. دول الخليج لن تقبل بأن تكون ساحة لتصفية الحسابات لا بنيوياً ولا شعبياً. بل قد تتحرك في الخفاء للوساطة واحتواء التصعيد لأن أي حرب ستعني شلّ اقتصاديات المنطقة وفتح جبهات لا يمكن غلقها سريعاً.

وما يدفع باتجاه المفاوضات – رغم كل التهديدات – هو إدراك كل طرف لحقيقة توازن الرعب. فإيران -رغم أمكانياتها ليس بإمكانها إخضاع أمريكا لكنها تستطيع جعل النصر الأمريكي مستحيلاً. وواشنطن ليست عاجزة عن الضرب لكنها تعرف أن أي هجوم لن يمر دون ثمن سياسي وعسكري واقتصادي باهظ.

هنا نصل إلى قلب الصراع.. مفاوضات تُدار من خلف ستار التصعيد لعبة أعصاب مكشوفة كل طرف فيها ينتظر أن ينكسر الآخر تحت الضغط. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الصراع ذاته بل في سوء الفهم. حين يُخطئ أحد الطرفين في تفسير الرسائل قد تصبح الكلمات صواريخ وقد تخرج الأمور عن السيطرة. وفي زمن “اللعب على الحافة” لا يحتاج اشتعال الحرب إلى نية بل إلى لحظة غباء استراتيجي.

في النهاية المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا لم تمت لكنها تُخاض الآن في مسرح الظلال حيث تُكتب القرارات الكبرى بأصوات مرتجفة وضغوط متراكمة لا بقنابل تسقط من السماء. ومن يُجيد الصبر في حرب الأعصاب قد لا يحتاج أن يُطلق رصاصة واحدة ليفوز.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات