سودان تمورو
لم تكن الضربات الصاروخية الإيرانية مجرد رد عسكري على عدوان إسرائيلي، بل كانت إعلانا مدويا عن نهاية عصر من الأحلام الواهمة. ففي اللحظة التي ظنت فيها تل أبيب أنها تمسك بخيوط اللعبة، جاء الرد الإيراني ليذكر الجميع بأن القواعد قد تغيرت، وأن المعادلة لم تعد كما كانت. ما جرى ليس مجرد تبادل ضربات، بل هو زلزال استراتيجي يعيد رسم خريطة القوة في المنطقة، ويكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية عن “الردع المطلق” و”السيطرة النهائية”.
الخطأ الإسرائيلي الفادح كان الاعتقاد بأن طهران ستكون فريسة سهلة، أو أن هجوما خاطفا كفيل بإرباك بنيتها العميقة. لكن الواقع أثبت العكس تماما؛ ففي ساعات الأزمة، برهنت إيران على تماسك نادر، وكفاءة لوجستية وعسكرية أفقدت العدو عنصر المفاجأة. لم تكن هناك فوضى، ولا انهيار، ولا حتى تلك التصريحات المرتعشة التي اعتادتها أنظمة عربية تحت القصف. بدلا من ذلك، شهد العالم مشهدا استثنائيا.. دولة تتعرض لضربة عدوانية فتخرج منها أكثر صلابة، وأشد بأسا. لم تكن الصواريخ الإيرانية التي سقطت على تل أبيب مجرد أسلحة، بل كانت رسائل مكتوبة بلهيب المقاومة: “لقد فات أوان تخويفنا”.
والأخطر في هذه المعادلة هو ذلك التحول النوعي في طبيعة الرد الإيراني. فإسرائيل، المعتادة على حروب من طرف واحد، وجدت نفسها للمرة الأولى أمام خصم يمتلك إرادة القتال، وقدرة الرد، وحسابات استراتيجية لا تقل تعقيدا عن حساباتها. حين اخترقت الصواريخ الإيرانية كل أنظمة الدفاع “المعجزة”، لم تسقط فقط مقولات الأمن الإسرائيلي، بل أسقطت معها أوهام التفوق العسكري المطلق. لم تعد إسرائيل القلعة الحصينة، ولم يعد بإمكانها خوض حروب بلا ثمن. السؤال الذي يطارد به نتنياهو الآن ليس كيف ينتصر، بل كيف يوقف الانهيار.
أما الملفت في هذه الأزمة فهو ذاك الصمت الدولي المريب، وكأن العالم توهم للحظة أن بإمكانه ترك إيران وحدها في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية. لكن طهران أجبرت الجميع على مراجعة حساباتهم. فالدول التي سارعت إلى إدانة الرد الإيراني، كانت غاضة الطرف عن العدوان الإسرائيلي الأول. وهذا التناقض ليس سوى دليل آخر على أن المعايير المزدوجة لم تعد تجدي في زمن لم يعد فيه الضعفاء (ظاهريا) يخشون الأقوياء.
