الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارعندما تتحول القلاع المحصنة إلى قوارب نجاة!.. بقلم نزار أحمد

عندما تتحول القلاع المحصنة إلى قوارب نجاة!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

لم تكن الصورة أكثر سخرية من هذا المشهد.. يخوت فاخرة تنطلق من مرافئ هرتسليا وحيفا وعسقلان، محملة بمن اعتقدوا أنهم بناة دولة منيعة، لا تُهزم ولا تُهاجم. المشهد الذي كشفت عنه “هآرتس” ليس مجرد هروب أفراد، بل انهيار وهم الأمان الذي رُوِّج له لعقود. مئات الإسرائيليين يفرون إلى قبرص، يتركون وراءهم كيانا لم يعد قادرا على حمايتهم، بينما يصرخون بصمت.. “سئمنا الصواريخ”.

لم يعد الأمر يتعلق بمنطق “الردع” أو “القوة العظمى” في المنطقة، بل بشرائح اجتماعية كاملة تدرك أن زمن الحصانة قد ولى. الأكثر دلالة هو أن هذا الهروب الجماعي لم يأتِ من “الضعفاء” أو “المترددين”، بل من نخب قادرة على دفع آلاف الدولارات مقابل مقعد على يخت غير مؤمن، في رحلة محفوفة بالمخاطر. إنه انهيار الثقة بالنموذج الأمني الإسرائيلي، ليس في عيون أعدائه، بل في عيون أبنائه.

وإذا كان سقوط الصواريخ على بني براك، المعقل التاريخي لليهود المتدينين، يمثل صدمةً للمؤسسة الإسرائيلية، فإن عجز السفارة الأمريكية عن إجلاء مواطنيها هو الصدمة الأكبر. فها هي “الحليفة الاستراتيجية” التي ظلت تلعب دور الدرع الواقي، تعلن بكل وضوح أنها عاجزة عن حماية حتى رعاياها. رسالة واضحة.. لا أحد في مأمن، ولا أحد قادر على وقف العاصفة.

التفاصيل الصغيرة تكشف الأزمة الكبيرة.. أسعار تذاكر الهروب تتضاعف وفق قانون العرض والطلب، وكأننا أمام سوق سوداء للنجاة. بعض اليخوت تنقل ركاباً دون تأمين، أي أن الهاربين مستعدون للمخاطرة بحياتهم في البحر، على أمل النجاة من الموت القادم من السماء. إنه انهيار كامل لمعنى “الكيان”، الذي لم يعد قادرا على توفير أبسط مقومات وجودهه.. الأمان لشعبه.

الدرس الأهم هنا ليس في “هزيمة إسرائيلية” مؤقتة، بل في تحول جيوسياسي عميق. فمنذ 1948، لم تشهد إسرائيل مثل هذا النزوح الداخلي، حتى في أحلك لحظات حروبها. اليوم، المشهد مختلف.. الصواريخ لم تعد تفرق بين مركز وأطراف، بين علماني ومتدين، بين مدني وعسكري. الحرب الجديدة لا تعرف خطوطاً حمراء، والردع لم يعد حكراً على طرف واحد.

العبارة التي تتردد في الشارع العربي “انقلب السحر على الساحر” ليست مجرد تهكم، بل هي خلاصة مرحلة جديدة. فمن اعتاد أن يبيع الوهم بالأمن، ها هو يشتريه الآن بأغلى الأثمان. ومن ظن أن الجغرافيا ستحميه، يكتشف أن البحر لم يعد سوى ممر للفرار، لا حاجزاً يرد الخطر.

في النهاية، التاريخ لا يرحم. فالكيانات التي بُنيت على أساطير القوة المطلقة، تنتهي عندما يبدأ شعبها بتصديق أن الهروب هو الخيار الوحيد. والمفارقة أن بعضاً من هؤلاء الهاربين اليوم، هم أنفسهم من صفقوا لعقود لحروب “الاستباق” و”الردع”. لكن الزمن دوار، وما كان يبدو أمس استثناءً، أصبح اليوم قاعدة.. لا حصانة لكيان يقوم على الاحتلال، ولا أمان لمشروعٍ ينهض على التهجير.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات