سودان تمورو:
في خطابٍ بالغ الانضباط والاتساق أطلّ رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس على شعبه معلنًا ملامح حكومته المرتقبة التي اختار لها اسمًا ذا وقع معنوي لافت.. “حكومة الأمل”. خطابٌ بُني بعناية تشريحيّ في أوله ووعوديّ في نهايته تتوسطه رؤية تنظيمية لا تخلو من الطموح ورسائل مقصودة نحو الداخل والخارج على حدّ سواء. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس في جودة الخطاب بل في قابلية ما ورد فيه للتنفيذ في بلد يرزح تحت نير حرب مدمّرة وانقسام سياسي مزمن.
ما يلفت في خطاب إدريس أنه أدار الظهر مبكرًا للمحاصصة الحزبية واضعًا معيار الكفاءة والخبرة فوق أي اعتبار أيديولوجي. هذه جرأة سياسية محسوبة تمثل خروجًا عن التقاليد السودانية في تشكيل الحكومات منذ الاستقلال لكنّها في الوقت نفسه تضعه في مواجهة مفتوحة مع القوى التقليدية التي تعوّدت أن تكون شريكة في كل شيء ولو على حساب الوطن. فهل يستطيع فعلاً أن يشكّل حكومة “لا حزبية” ويُبعد عن طاقمه الحزبيين القدامى والجدد وهم القابضون على مفاصل المشهد؟.
يستعرض إدريس هيكلاً حكوميًا من 22 وزارة مدعومًا بخطة استراتيجية تجمع بين “الرؤية والرسالة والتنفيذ” وتُرسي قواعد إدارة حديثة تقيس الأداء وتكافئ النجاح وتكافح الفساد. يبدو الأمر نظريًا مثاليًا لكنه يصطدم بعقبات مادية وسياسية واضحة في طليعتها بنية الدولة المهترئة وشبكات المصالح التي ترى في الإصلاح تهديدًا. فمحاربة الفساد في السودان ليست مهمة فنية بل هي “معركة وجودية مع مؤسسات موازية لا تخضع للقانون ولا تؤمن بالدولة أصلاً”.
ولعلَّ أكثر ما يحسب لهذا الخطاب أنه حاول رسم صورة لحكومة “تكنوقراط” مستقلة تُدار بعقل علمي لا حزبي وتُبنى على معايير أخلاقية تُعيد الاعتبار لقيم مثل الأمانة والشفافية والصدق. هذه ليست عبارات إنشائية كما قد يظن البعض بل هي محاولة لإعادة تشكيل وعي الدولة السودانية التي لم تعرف طوال عقود سوى حكومات تتقن الشعارات وتفشل في الإنجاز. غير أن الإدراك الواقعي يقتضي الاعتراف بأن مجرد إعلان النوايا لا يكفي وأن نجاح هذه الحكومة إن تشكّلت يتوقف على أربعة شروط أساسية.. توفر غطاء سياسي حقيقي، توافق الحد الأدنى بين القوى الفاعلة، توقف الحرب ودعم إقليمي ودولي جاد.
أحد الذكاءات التي تضمّنها الخطاب كان تجاهله الكامل لمسألة “الأشخاص” والتركيز بدلًا من ذلك على “المهام والقيم”. هذا التحول في النقاش من “من يشارك؟” إلى “كيف ننجز؟” هو مكسب سياسي بحد ذاته ويعكس رغبة إدريس في كسر الدائرة المفرغة من الترضيات والتسويات الهشة. غير أن تجاهل “الأشخاص” لا يعني أن الكواليس لا تشتعل وأن القوى التقليدية ستقف متفرجة على توزيع السلطة بدونها. فالصمت الظاهر من بعض القوى ليس حيادًا بل ترقب لما إذا كان إدريس سيذهب حتى النهاية في معركته ضد المحاصصة.
أما في الشارع السوداني فالتفاعل مع الخطاب اتسم بالحذر المتفائل. فقد ملّ الناس من كثرة الكلام وقلة الفعل ومع ذلك فإن وضوح لغة إدريس وهدوء نبرته وتركيزه على مفردات مهنية لا سياسية كلّها عناصر ساعدت على كسب اهتمام المواطن العادي الذي لم يعد يقيم وزنًا كبيرًا للزعامات بقدر ما يبحث عن إجابة بسيطة.. من سيوقف الحرب؟ من سيخفض الأسعار؟ من سيعيد الخدمات؟.
يبقى الرهان الآن على قدرة د. إدريس في ترجمة هذا الخطاب الرصين إلى واقع ملموس. فالمرحلة القادمة لا تحتاج إلى شعارات إضافية بل إلى قرارات جريئة تصطدم بالمصالح الراسخة وتعيد تعريف السلطة بوصفها “خدمة لا غنيمة”. حكومة الأمل ليست مشروعًا إداريًا فقط بل هي اختبار لمدى قابلية السودان للنهوض من بين الأنقاض بمنهج مختلف وأدوات جديدة.
الخطاب وحده لا يكفي لكنه يظل بداية مشروعة لعهدٍ يُرجى ألا يُجهض قبل أن يُولد. الكرة الآن في ملعب إدريس والساعة لا تنتظر.
