الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالسودان بين فوضى الدماء وضرورات العقل السياسي!

السودان بين فوضى الدماء وضرورات العقل السياسي!

سودان تمورو

ليس أمام السودان سوى طريقين لا ثالث لهما: إمّا الغرق الكامل في مستنقع الفوضى والانهيار، أو الشجاعة الكاملة في مصالحة وطنية تتجاوز الأحقاد والأيديولوجيات والانتماءات الضيقة. ما قاله رئيس تحالف “صمود”، عبد الله حمدوك، في جنوب أفريقيا، ليس جديداً من حيث الدعوة لوقف الحرب، لكنه يُعري تناقضاً صارخاً في التعاطي مع الأزمة: فالدعوة إلى السلام من دون شمول، ليست إلا طبلاً في صحراء النزاع.

لقد تحوّل السودان إلى حلبة صراع مفتوح بين أطرافٍ جميعها تدّعي تمثيل الشعب، بينما الشعب نفسه تائه بين نيران المدافع وأنقاض المدن. حمدوك محق حين يقول إن الحرب قسمت السودانيين، لكنه يُجانب الحقيقة حين يطرح “صمود” كفاعل مؤثر دون أن يقرّ بأن الحل لا يُبنى على فصائلية جديدة، بل على مشروع وطني يجمع المتناقضات، لا يكتفي بترتيبها حسب المزاج السياسي.

ليست تصريحات وزارة الخارجية السودانية التي تهدد الدول المستضيفة لوفد “صمود” سوى انعكاس لضعف مركزيّ يلفّ عقل الدولة السودانية. فالحرب التي تستنزف البلاد لا تحسمها المناورات الدبلوماسية، بل توقفها شجاعة كسر القيد الأكبر: وهم الانتصار العسكري أو التفويض الشعبي الأحادي. لا أحد يملك التفويض الآن، إلا الدم الذي يسيل بلا معنى.

إذا كانت هناك لحظة يمكن للسودانيين أن يتجاوزوا فيها أنفسهم، فهي هذه اللحظة. لحظة الحقيقة التي تقول: لا خلاص إلا بجمع الجيش، وتحالف “صمود”، وحركات الكفاح المسلح، و”الكيزان”، في حكومة انتقالية قوية لا تستثني أحداً ولا ترضخ لأحد. نعم، حتى “الكيزان” الذين يرفضهم كثيرون، لا يمكن إسقاطهم من المعادلة الوطنية ما داموا موجودين على أرض الواقع ويملكون أدوات التأثير. إقصاؤهم لن يُضعفهم بل يُعيد إنتاجهم في صورة أكثر تطرّفاً.

إن المزايدة على الشرعية، سواء باسم الثورة أو باسم السلاح، لا تُنتج دولة. والترويج لنقاء فصائلي في زمن الانهيار هو ترف سياسي مدمّر. لا أحد نقي في حربٍ بهذه القذارة، لكن الجميع مسؤول عن تنظيف الطاولة من بقايا الخراب. السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى عقول باردة قادرة على جمع الجمر تحت سقف واحد قبل أن يلتهم الحريق ما تبقّى من الخرائط والوجوه.

ربما لا تهم شعبية حمدوك كما قال، وربما لا يعني الجيش إلا النصر، وربما لا تسعى الحركات المسلحة إلا للاعتراف، لكن السودان لا يحتمل هذا التنافر الأبدي. لن تأتي الانتخابات الحرة إلا بعد عبور نفقٍ واحد: الاتفاق على أن الوطن أكبر من الجميع، وأن التنازلات ليست ضعفاً، بل بقاء.

الوقت ينفد، والنزيف لا ينتظر. ومن لا يرى في الآخر شريكاً في الوطن، فلن يراه إلا خصماً في القبر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات