الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارحركات اتفاق جوبا.. بين المظلومية السياسية والمشروعية المغلوطة

حركات اتفاق جوبا.. بين المظلومية السياسية والمشروعية المغلوطة

سودان تمورو:

في مشهد بالغ التعقيد والتجاذب تتصدر حركات دارفور الموقعة على اتفاق جوبا واجهة المشهد السياسي السوداني لا بصفتها قوة اقتراح أو مشروع وطني بل كأحد أبرز معوقات تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة كامل إدريس. هذا التمترس خلف وزارات بعينها كالمالية والمعادن لا يمكن قراءته إلا كرهان على الغنيمة لا على الشراكة وكأن الثورة والدماء التي سالت من أجل تغيير منظومة الحكم قد أُفرغت من معناها لتحل محلها مساومات نفعية تُدار خلف الكواليس.

واقع هذه الحركات يكشف عن تحوّلٍ لافت من كيانات رفعت السلاح باسم التهميش والحرمان إلى أذرع سياسية تبحث عن موطئ قدم داخل سلطة لم تتغيّر كثيرًا في جوهرها. لم تعد الحركات تتحدث عن إصلاح أو إعادة بناء ما دمرته الحروب بل عن “استحقاقات” تفاوضية تجعل من التاريخ المأساوي لدارفور بوابة عبور إلى مقاعد الوزارات السيادية لا منصة للمساءلة أو البناء. وفي كل مرة تُواجه هذه الحركات بالانتقاد تستدعي خطاب المظلومية لتبرير سلوكها السياسي متجاهلة أنها منذ توقيع اتفاق جوبا لم تقدّم نموذجًا يُحتذى في الحكم أو الرؤية.

الأخطر أن هذه الحركات وهي تضع نفسها حليفًا ظرفيًا للجيش في معركته ضد قوات الدعم السريع لا تتحرك من منطلق وطني جامع بل من منطق الغلبة على خصمٍ محلي تتقاطع مصالحه مع مصالحها في الإقليم نفسه. هي حرب مصالح لا مبادئ. حسابات ميدانية لا مواقف سياسية. فكل طرف ينظر إلى دارفور كمسرح لتصفية النفوذ وليس كإقليم منكوب يحتاج إلى عدالة انتقالية وتنمية مستدامة. أما المدنيون فهم مجرد وقود لهذا الصراع المفتوح يُستدعون للتصويت وقت الحاجة ويُتركون للنزوح والتشريد وقت القتال.

رئيس الوزراء كامل إدريس في خضم هذه المتاهة يجد نفسه محاصرًا بما سُمي زورًا “شراكة وطنية” لكنها في الحقيقة فرض إراداتٍ على حكومة من المفترض أنها تُعبّر عن رؤيته. حين تُفرض عليه أسماء وزراء من خارج مشورته كيف يمكن أن يُحاسب على فشلهم؟ وكيف يمكن للشارع أن يثق بحكومة لا يعرف من شكلها؟ مرة أخرى تُصادر الإرادة الشعبية لصالح توازنات هشّة تصنع حكومة مهجّنة تُدار بمنطق “ترضيات الحرب” لا بمنطق البناء المدني للدولة.

المعضلة الأعمق أن السودان كله يعيش في ظل حالة فراغ دستوري ممتدة عنوانها “حكم الأمر الواقع” حيث لا مؤسسات منتخبة ولا شرعية تستند إلى صناديق الاقتراع. في هذا المناخ تزداد شهية الفاعلين غير المدنيين لاقتسام الكعكة. ومن الطبيعي أن تطمع الحركات المسلحة ما دامت المعادلة السياسية لا تُدار بقواعد واضحة ولا بمساءلة حقيقية. كلما طال أمد غياب الانتخابات تجذّرت قاعدة المساومة وتحولت الحركات من مشروع تغيير إلى مشروع تمكين.

لكن من يظن أن الانتخابات رفاهية أو خيار مؤجل يُخطئ التقدير. الانتخابات ليست فقط لحظة ديمقراطية بل هي فرصة لإعادة ضبط النظام السياسي برمّته. لا يمكن دمج الحركات في الحياة السياسية دون نزع سلاحها ودمج قواتها في جيش وطني موحد يُحتكم إليه لا يُخاف منه. وعلى الحركات أن تقبل بالتحوّل إلى كيانات مدنية تنافس على السلطة عبر صناديق الاقتراع لا عبر البندقية أو التفاوض الإجباري.

الحقيقة أن هذه الحركات ليست جميعها شريرة كما يُروج البعض ولا بريئة كما تُحب أن تُصور نفسها. هي ببساطة نتاجُ نظامٍ انهار ولا تزال تبعاته حاضرة في شكل نزاعات ومحاصصات ومفاوضات تُدار كأنها معركة تجارية. والمظلوم الحقيقي في كل هذا هو المواطن السوداني الذي لم يعد يميّز بين الحاكم والمعارض بين المدني والعسكري بين من يحمل السلاح ومن يحمل أجندة لا تقل خطرًا.

إذا لم يُكسر هذا المسار عبر حل سياسي حقيقي يبدأ بوقف الحرب ويفضي إلى انتخابات شاملة فستستمر هذه الحلقة المفرغة من إعادة إنتاج الحركات والجبهات وسيبقى الوطن مسرحًا لصراعات لا تُفرز سوى المزيد من الألم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات