الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارهدنة الفاشر بين الإنسانية والمخاطر الخفية!

هدنة الفاشر بين الإنسانية والمخاطر الخفية!

خاص سودان تمورو

في بلد أنهكته الحرب وتاهت فيه الحقيقة بين ركام الضحايا، جاءت موافقة الفريق عبد الفتاح البرهان على هدنة إنسانية في محلية الفاشر كخطوة تبدو للوهلة الأولى نابعة من ضمير إنساني يستيقظ متأخراً. الهدنة التي جاءت بطلب مباشر من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، حملت عنواناً مشرقاً: حماية المدنيين. لكنها، كغيرها من المبادرات الظاهرة بالرحمة والمضمرة بالمصالح، تثير ريبة سياسية لا يمكن تجاهلها، خاصة عندما يُستدعى فيها المجتمع الدولي كوسيط ومراقب وضامن، في لحظة شديدة التعقيد من عمر السودان.

الفاشر ليست مجرد مدينة تسكنها بنادق متقابلة، بل هي العقدة الاستراتيجية التي إن ارتخت، تغيرت معادلة السيطرة في دارفور، وربما في السودان بأكمله. لذلك، فإن إعلان الهدنة فيها، في هذا التوقيت تحديداً، لا يمكن أن يُقرأ خارج سياق الصراع الأكبر على النفوذ السياسي والعسكري. الغطاء الإنساني، على أهميته، لا يُلغي حقيقة أن هذه الهدنة قد تُستخدم لتكريس شرعية سياسية لطرف بعينه، أو لإعادة تشكيل التوازنات على الأرض من بوابة الإغاثة الدولية.

لا أحد يرفض أن يتوقف إطلاق النار ولو لأسبوع، ولا أحد يجادل في أن الأرواح أولى بالحماية من الحسابات الباردة. ولكن، من يضمن ألا تُستغل هذه الهدنة لإعادة التموضع العسكري؟ من يضمن ألا تتحول شاحنات الغذاء إلى غطاء لمخططات استخباراتية، كما حدث في بلدان أخرى؟ الأدهى من ذلك، أن الحديث المتزايد عن ضرورة “تطبيق قرارات مجلس الأمن” في هذا السياق، يفتح الباب واسعاً أمام فرضيات التدويل، وربما تسويق نموذج الفاشر كحالة يمكن تعميمها لاحقاً، تحت وصاية دولية تسلب السودان ما تبقى له من قرار مستقل.

الاتصال الذي جرى بين غوتيريش والبرهان، والذي حمل أيضاً ترحيباً بتعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء، يُدلل على أن الأمم المتحدة تتعامل مع البرهان كلاعب محوري، وربما كشريك في مشروع سياسي تسعى لفرضه بغطاء إنساني. هذا التفاعل لا يخلو من رسالة مبطنة، مفادها أن من يقدم “تنازلات إنسانية” قد يُكافأ باعتراف سياسي. وهو منطق لطالما حوّل الأمم المتحدة من وسيط نزيه إلى طرف يحشد التوازنات خدمة لأجندات أكبر من الشعوب وأبسط من المآسي.

وفي خضم هذه الحسابات، يغيب السؤال الأهم: ماذا عن الشعب السوداني؟ ماذا عن صوته ومطالبه وخياراته؟ إن ما يحدث في الفاشر ليس سوى حلقة من مسلسل يتكرر منذ عقود، حيث تُختزل الكارثة في بُعدها الإنساني فقط، بينما يُمنح مصير البلاد كله لشخصيات أو قوى تستمد شرعيتها من الخارج لا الداخل. الخطر الحقيقي ليس في توقف النار ليوم أو أسبوع، بل في أن تتحول هذه الهدن إلى مداخل “ناعمة” لتدخل خشن، يبدأ بالمساعدات ولا ينتهي إلا بالوصاية.

البرهان اليوم أمام مفترق طريق: إما أن تكون الهدنة خطوة أولى نحو مصالحة حقيقية يقودها السودانيون بأنفسهم، بعيداً عن الإملاءات والضغوط، أو أن تكون مجرد أداة تجميل لصورة متهالكة، وهدية سياسية مجانية للمجتمع الدولي المتلهف لتوسيع نفوذه في السودان. أما أنطونيو غوتيريش، فمطالب بأن يُثبت أن منظمته لا تُستخدم مجدداً كأداة في لعبة الكبار، بل كصوت حيّ لمن لا صوت لهم من الجوعى والنازحين والمقهورين.

هدنة الفاشر ليست حدثاً عابراً، بل اختبار حقيقي للنوايا. فإما أن تكون لحظة تضع فيها الأطراف السلاح من أجل الناس، أو أن تكون ستاراً لمسرحية جديدة يُكتب نصها خارج الخرطوم، ويُفرض على شعب صابر كُتب عليه أن يُجرب كل أنواع الموت، إلا موت الكرامة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات