سودان تمورو
لم تكن الضربات الصاروخية الإيرانية الأخيرة التي استهدفت قواعد أميركية في المنطقة مجرد ردّ عسكري محدود، بل كانت إعلانًا دبلوماسيًا صارمًا بأن منطق طهران في العلاقات الدولية قد تغيّر جذريًا. إيران لا تتحدث بعد اليوم بلغة “الصبر الاستراتيجي” أو “الاحتواء”، بل بلغة جديدة تقوم على ما يمكن تسميته بـ”براغماتية الصمود”. تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لم تترك مجالًا للشك: مرحلة ما بعد الحرب ليست استمرارًا لما قبلها، بل تأسيس لقواعد مختلفة، حيث تُبنى العلاقات وتُعاد التحالفات على أساس من وقف مع إيران – أو ضدها – في لحظة التهديد الوجودي.
المعادلة الجديدة واضحة: لا حوار مع واشنطن دون اعترافها بفشل سياسة العقوبات، ولا عودة إلى الاتفاق النووي دون ضمانات، ولا قيمة للدور الأوروبي إن بقي حبيس التصريحات الرمادية. واللافت أن إيران لا تضع شروطها فقط بل تُجري مراجعة شاملة لسياساتها، ولتموضع خصومها وأصدقائها. لم يعد مقبولًا أن تظل الدول الغربية تدّعي الدفاع عن القانون الدولي وهي عاجزة حتى عن إدانة المجازر المرتكبة بحق المدنيين في غزة. هذا التواطؤ أو العجز، كما يراه الإيرانيون، لن يمر دون عواقب سياسية على مستوى التفاوض والمكانة.
في هذا السياق، لم يكن الموقف من الدول الأوروبية رماديًا فقط، بل أقرب إلى الطرد الدبلوماسي الناعم: تحذير واضح بأن تفعيل “آلية الزناد” – تلك التي تتيح إعادة العقوبات الأممية – سيجعل من أوروبا طرفًا غير ذي صلة. أي أن من يُفعل أدوات الضغط لا يمكنه التظاهر بدور الوسيط. هذه المقاربة الجديدة تعني في جوهرها أن إيران لم تعد تقبل التفاوض من موقع المتلقي، بل تسعى لفرض شروط الندّية، بل والندية المشروطة.
أما في الإقليم، فإيران تُمسك بخيوط دقيقة، تفصل بوعي واضح بين استهداف الوجود الأميركي، وبين تجنب التصعيد مع الجوار العربي. التصريحات التي شددت على أن الضربات الإيرانية لم تستهدف الدول الخليجية، بل القواعد العسكرية الأميركية فقط، ليست مجرد رسائل طمأنة، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب البيت الإقليمي دون وصاية أجنبية. وهو ما يفسر رغبة طهران في تعزيز علاقاتها مع قطر وعُمان والكويت، وتحييد الخلافات القديمة مع السعودية، وصولًا إلى محاولات تقارب محسوبة مع مصر والعراق. إيران هنا لا تسعى لتوسيع نفوذها بالعدوان، بل لتكريس موقعها كقوة إقليمية يصعب تجاوزها.
في المقابل، العلاقة مع الولايات المتحدة تمر بلحظة انسداد حقيقي. طهران تدرك أن التفاوض مع واشنطن لن يكون مجديًا إن لم يعكس تغييرًا حقيقيًا في التوازن. والحديث هنا لم يعد عن عودة إلى اتفاق 2015، بل عن مقايضات جديدة تُبنى على حجم الأضرار والخسائر والمواقف. تخريب منشآت نووية في أصفهان ونطنز، مثلًا، يجعل من عمليات التفتيش الدولية الآن أداة لجمع المعلومات، لا مراقبة للامتثال، ويُحوّل الملف النووي إلى ورقة لا يمكن فصلها عن الحسابات الأمنية الأوسع.
ولعل أخطر ما تطرحه الدبلوماسية الإيرانية الجديدة هو مبدأ العقاب السياسي على السلوك الدولي. فالدول التي وقفت إلى جانب إسرائيل، أو دعمت العدوان بالصمت أو التواطؤ، ستُوضع على قائمة “العلاقات المكلفة”، بينما سيتم التقارب مع من حافظ على حياده أو دعم مبدأ “عدم الانحياز”. هذا ما عبر عنه عراقجي بوضوح حين أشار إلى أن شكل العلاقات المستقبلية مع الدول سيُبنى على مواقفها خلال الحرب. وهذا لا يعني فقط إعادة ترتيب الأولويات، بل إعادة رسم تحالفات جديدة كليًا، خارج المعايير التقليدية.
في الوقت نفسه، تُحضّر طهران لمعركة قانونية ودبلوماسية قد لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية. مطالبة دول مثل فرنسا وألمانيا بالتعويض عن دعمها للعدوان ليست خطوة رمزية، بل مؤشر على نية خوض معركة في المحافل الدولية لتجريم الاحتلال وتوثيق الأضرار، وإعادة تعريف “المعتدي” وفقًا للقانون الدولي لا لموازين القوى. إنه انتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم، ومن التبرير إلى المطالبة.
وفي قلب هذه التحولات كلها، يبقى الشارع الإيراني هو الرهان الأساسي للقيادة. فالصمود الشعبي، كما تصفه القيادة الإيرانية، هو ما يمنح السياسة الخارجية شرعيتها، ويجعل الرد العسكري قابلًا للتوظيف السياسي. الرسالة الموجهة إلى الداخل واضحة: إيران لا تُساوَم على سيادتها، ولا تُجبر على الانحناء، وهي اليوم أكثر استعدادًا لفرض منطقها لا التماشي مع منطق الآخرين.
كل ذلك يُعيد صياغة سؤال رئيسي على طاولة السياسة الدولية: هل تستطيع إيران، عبر دبلوماسية القوة والبراغماتية، وفرض شروطها؟ ربما لا تحمل الإجابة طابعًا حاسمًا حتى الآن، لكن الثابت أن إيران ترى في اللحظة الراهنة فرصة استراتيجية لا يجوز تفويتها. وكما قال عراقجي: “العالم يتغير، ومن لا يتكيف، سيُترك خلف الركب”.
وفي هذا التغيير، تراهن طهران على أنها ليست الضعيف الذي يسعى للقبول، بل القوي الذي يُجبر الآخرين على إعادة الحسابات.
