سودان تمورو
في مشهدٍ بات مألوفًا، يُلوّح الكيان الصهيوني مجددًا بخيار الحرب، كما لو كان يستعرض عضلاته في مرآة لا تعكس له إلا غروره. التهديدات تتصاعد، والتسريبات تتكاثر، ومؤشراتٌ ثلاث تشي بأنّ شيئًا يُحضَّر في الخفاء: تسليحٌ غير مسبوق، تحكُّم متزايد في المعلومة، واستعدادات داخلية تنذر بتصعيد واسع.
فقد كشف الإعلام الغربي عن صفقات ضخمة اشترت فيها إسرائيل أسلحة متطورة من ألمانيا ودول أخرى، في خطوةٍ تُمثّل تعزيزًا واضحًا لترسانتها العسكرية. هذا التحرك لا يأتي بمعزلٍ عن السياق، بل يوازيه سعي محموم للسيطرة على تدفّق المعلومات، يتجلى في الضغط — كما يُعتقد — على منصات مثل “تلغرام” لتعطيل خاصية الترجمة الفورية، في محاولةٍ لعزل المتابع العربي عن الإعلام العبري وما يُسرَّب من خطط وتوجهات. أما الأكثر لفتًا للنظر، فهو لجوء إسرائيل إلى نقل منشآت حيوية تحت الأرض، وهو إجراءٌ دفاعيّ لا يُنفّذ إلا إذا كانت القيادة السياسية والعسكرية تستعد فعليًا لأسوأ السيناريوهات.
كل هذه التحركات تُعيدنا إلى سؤال جوهري: هل الحرب خيارٌ حقيقي على الطاولة، أم أنها مجرد جولة أخرى من الابتزاز السياسي والإعلامي؟ في علم الحروب، لا تكفي الطائرات والصواريخ لتحقيق النصر، بل الحسم لا يكون إلا على الأرض، بالقوات البرية. وهنا بالضبط تواجه إسرائيل عقدتها الأزلية. فبعد فشلها في إشعال الداخل الإيراني وتحريك أدواتها “الناعمة” لإثارة الفوضى، باتت أمام استحالة تنفيذ اجتياحٍ بريّ — حتى بالوكالة.
المراهنة على انتفاضةٍ داخلية في إيران سقطت سريعًا. فما إن لوّحت تل أبيب بالخطر، حتى امتلأت شوارع طهران بالملايين، يرفعون صور قادة المقاومة ويردّدون هتافات الوحدة. لم تخرج “جحافل أنصار الشاه”، بل خرج شعبٌ يعلن تمسّكه بوطنه ورفضه للعدوان. كانت رسالة قاسية على إسرائيل: لا رهان داخلي يُعوَّل عليه، ولا تفكّك يُرتجى.
ثم جاءت الصواريخ الإيرانية لتزيد المعادلة تعقيدًا. لقد أثبتت طهران أن ضرباتها قادرة على اختراق كل منظومات الدفاع، بما فيها “القبة الحديدية”، وأنّ ساحات الرد لم تعُد مقتصرة على الإعلام، بل باتت ملموسة ميدانيًا. في ظل هذه المعطيات، كيف يمكن لعقلٍ عسكري أن يُوصي بالحرب؟ أو يُقنع القيادة الصهيونية بأن مغامرةً جديدة قد تنتهي بنتائج مختلفة؟
الواقع أن إسرائيل كثيرًا ما تتخذ قراراتها لا بمنطق الاستراتيجية، بل بدافعٍ من الغرور أو الرغبة في فرض الهيبة. وهي — منذ سنوات — تسير على حافة الحماقة، مدفوعةً بشعورٍ متضخِّم بالقوة، ومسنودةً بدعمٍ أمريكي غير مشروط. لكنّ ما يُغفلونه دومًا هو أن الشعوب هي العامل الحاسم، وأن الوعي الجمعي بات أكثر صلابةً من أن تنال منه حملات التهويل.
لقد أثبتت التجربة — من غزة إلى جنوب لبنان، ومن العراق إلى سوريا — أن الشعوب الموحّدة هي أقوى من الطائرات، وأمضى من القنابل الذكية. وأنّ الحروب، حين تفشل في كسر الإرادة، تتحوّل إلى عبءٍ ثقيل على مَن أشعلها.
إسرائيل قد تهاجم، نعم. لكنها ستخسر مجددًا. لأنها تُجيد إطلاق النار، لكنها لا تُجيد قراءة التاريخ. ولأنها تنسى — كل مرة — أن النار لا تفرّق بين يدٍ تضغط الزناد ويدٍ تسعى للرد.
فهل تتعلّم الدرس هذه المرة، أم تكرّر المغامرة… لتُضيف فشلًا جديدًا إلى سجلها الأسود؟.
