سودان تمورو:
في عمق الصحراء السودانية، حيث تتقاطع خيوط الأمل والنجاة في أيدي المعدّنين التقليديين، وقع الانهيار في منجم “كرش الفيل” بمنطقة هويد كصفعة جديدة تفضح هشاشة الواقع، وتدق جرس إنذار لم يسمعه أحد من قبل بجدية. إحدى عشرة روحاً أُزهقت تحت الركام، وسبعة مصابون يواجهون مصيرهم في صمت، والحدث يتكرر كأنّه قدر محتوم لا يمكن الفكاك منه. لكن الحقيقة المُرّة أن ما جرى ليس مجرد قضاءً وقدراً، بل نتيجة مباشرة لتقاعس مؤسسي وغياب كامل للرؤية الاستراتيجية في قطاع يُفترض أن يكون العمود الفقري لاقتصاد دولة بأكملها.
التعدين التقليدي في السودان لم يعد نشاطاً هامشياً كما كان يُنظر إليه سابقاً، بل أصبح المحرك الأهم لعجلة الاقتصاد المنهك. أكثر من 70% من صادرات الذهب، المورد الحيوي للنقد الأجنبي، تأتي من هذا القطاع الذي يعمل فيه ملايين السودانيين. ومع ذلك، لا تزال حياة هؤلاء تُدار بعشوائية، وتُعرض أرواحهم للخطر كل يوم دون أن تهتز لهذا الواقع الضاغط ضمائر المسؤولين أو يُعاد النظر في أولويات الدولة. في بلد يعاني من أزمات اقتصادية متلاحقة، يبدو أن الاحتفاء بعوائد الذهب يُغطي على دماء من ينتجونه.
كارثة هويد ليست حدثاً عارضاً، بل نتيجة متوقعة لنظام اقتصادي مفكك، لا يرى في المعدّن التقليدي أكثر من أداة إنتاج. لو كانت الدولة جادة في حماية هذا المورد البشري، لما اكتفت بتحذيرات صادرة من الشركة السودانية للموارد المعدنية، بل سارعت إلى فرض إجراءات إلزامية لتأمين المواقع، وتنظيم القطاع، وتوجيه جزء من العائدات نحو تطوير البنية التحتية في مناطق التعدين. فلا يعقل أن تبقى مناجم الذهب بلا طرق ممهدة، أو نقاط إسعاف، أو حتى وسائل بدائية للإنقاذ.
الحل لا يكمن فقط في البنية، بل في بناء الإنسان. المعدِّن التقليدي في السودان يعمل في بيئة لا توفر له أدنى شروط السلامة أو المعرفة. يفتقر للتدريب، ويُترك وحيداً في مواجهة طبيعة قاسية ومواد سامة كـ الزئبق والسيانيد، دون أي توعية أو بدائل. الدولة مطالبة اليوم قبل الغد بإنشاء مراكز تأهيل وتدريب في مناطق الإنتاج، وإدماج المعدّنين في منظومة مالية رسمية، لتأمين مستقبلهم، وتنظيم تجارتهم، وإنهاء حالة الاستغلال التي يعيشونها على أيدي السماسرة وتجار السوق السوداء.
لكن أي تطوير حقيقي لهذا القطاع لا يمكن أن يتم دون مساءلة حقيقية للشركات الكبرى العاملة في التعدين. لا يكفي أن تصدر بيانات نعي، بل عليها أن تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه من يعملون في جوار امتيازاتها. يجب أن يُلزم القانون هذه الشركات بتمويل برامج السلامة، والمساهمة في إنشاء صناديق دعم للمعدّنين التقليديين، وربط رخصها بتحسين أوضاع العمل في المناطق المجاورة.
المسألة اليوم لم تعد خياراً بين التطوير أو الإهمال، بل باتت خياراً وجودياً: إما أن تبني الدولة اقتصادها على أسس تحترم الإنسان وتضمن سلامته، أو أن تواصل الاعتماد على قطاع عشوائي يهدد حياة مواطنيها، ويقوض استقرارها على المدى الطويل. لا ذهب يستحق الفخر إن جاء على حساب الأرواح، ولا اقتصاد ينهض إذا كان يقف على أنقاض أجيال مسحوقة.
فاجعة هويد ليست مأساة محلية، بل نداء وطني صريح: كفى موتاً في الصحراء، وكفى تجاهلاً لأهم مورد بشري في هذا القطاع. آن الأوان لسن قانون عاجل يُنظّم التعدين التقليدي، ويُحوّله إلى صناعة وطنية مستدامة، تحترم الإنسان وتبني على أساسه اقتصاداً حقيقياً، لا مجرد أرقام عائمة في تقارير التصدير. إن لم نسمع هذا النداء اليوم، فقد لا نجد من يسمعه غداً.
