خاص سودان تمورو
في مشهد يُرثى له، تتكدس الساحة السياسية السودانية بأكثر من مئتي حزب، أغلبها كيانات وهمية لا تتجاوز حدود أوراق التسجيل، بلا قواعد شعبية، بلا رؤى واضحة، وبلا هدف سوى التهافت على سلطة متهالكة. هذه ليست ممارسة ديمقراطية، بل فوضى عارمة تُدار بعقلية السوق، حيث السياسة سلعة، والمبادئ رخيصة، والوطن آخر ما يُؤخذ بالحسبان. عندما يصرّح قيادي في تجمع قوى تحرير السودان، يحيى النور أحمد، بأنه “لا يوجد حزب سياسي في السودان يمتلك برنامجًا متكاملًا ورؤية واضحة لقيادة الدولة”، فهو لا يهجو، بل يفضح عارًا نعيشه منذ عقود.
ما يسمى بـ”الأحزاب السودانية” اليوم هو أقرب إلى واجهات تجارية تُستغل لجني المكاسب، لا أدوات نضال أو أدوات بناء دولة. لا يسأل مؤسسو هذه الكيانات أنفسهم عن الرؤية، أو البرنامج، أو كيف يُمكنهم انتشال السودان من أزماته المعقدة، بل يسألون: كم منصب يمكننا اقتناصه؟ كم دعم يمكننا ابتزازه؟ كم تحالفًا تكتيكيًا نُبرم لتحقيق مكاسب سريعة؟ تحوّلت السياسة في السودان إلى نخاسة، حيث تباع الولاءات وتشترى المواقف، وتُدار البلاد كأنها غنيمة موزعة بين الطامعين.
لا توجد برامج حقيقية، لا مشروع اقتصادي وطني، لا رؤية للخروج من الحروب المتكررة، لا استراتيجية للعدالة الانتقالية، ولا حتى وعي ديمقراطي داخل تلك الأحزاب ذاتها. يرفعون الشعارات الكبيرة مثل “الحرية” و”التغيير”، لكن ممارساتهم داخل أحزابهم تقوم على التوريث والشللية والإقصاء. يتحدثون عن المدنية، ويُدارون بعقلية القبيلة أو الطائفة أو الزعامة الفردية. حتى الأحزاب التاريخية فقدت بوصلتها، تحولت إلى أرشيف شعارات، تتغذى على الماضي، وتخشى من أي تجديد حقيقي يُهدد نفوذ الشيوخ.
لقد بات تأسيس حزب في السودان أسهل من تأسيس جمعية خيرية. مجموعة أشخاص، شعار بلا مضمون، واسم فضفاض، لتجد كيانًا جديدًا يطالب بنصيبه في “الكيكة”. أي سياسة هذه التي تُنتج العشرات من الأحزاب كل عام، دون أن تُنتج فكرة واحدة تنقذ هذا الوطن؟ أي ديمقراطية هذه التي تُغرقنا في كتل متصارعة، فارغة من أي مضمون، وممتلئة بالطموحات الفردية والابتزاز السياسي؟
الواقع أن معظم هذه الأحزاب لا تمثل الشعب، ولا تعبّر عن مطالبه، ولا تمتلك القدرة على مخاطبة المواطن العادي. إنها مجرد أدوات مساومة على موائد المحاصصة، تُصنّف نفسها معارضة حين تكون خارج الحكم، وتصبح مدافعة شرسة عن السلطة بمجرد أن تنال منصبًا، ولو هامشيًا. هذه الازدواجية هي ما قتل الثقة في الحياة السياسية، وهي ما يدفع الأجيال الجديدة للعزوف عن العمل الحزبي والنفور من كل ما يمت للسياسة بصلة.
إذا أراد السودان أن ينهض، فعليه أن يُعيد تعريف السياسة نفسها. يجب أن يُغلق هذا السوق الرخيص، وأن تُفرض معايير صارمة على تكوين الأحزاب، ترتبط بعدد الأعضاء الحقيقيين، بالبرامج المكتوبة والعملية، بالقدرة على المشاركة في صنع السياسات لا في تقاسم الغنائم. يجب أن تُربط شرعية أي حزب بقدرته على أن يكون فاعلًا في حياة الناس، لا مجرد ضيف دائم في مؤتمرات القصر ومجالس التنصيب.
ما لم نُجرِ جراحة جذرية في بنية العمل الحزبي، فسنظل ندور في نفس الدوامة: فوضى، فشل، ثم انفجار. والشعب السوداني، الذي سُحق تحت وعود النخب الزائفة، لم يعد يثق في الشعارات، ولا يقبل بأن يُدار مصيره بصفقات لا تمر عبر إرادته. هذه المرحلة تتطلب قوى سياسية حقيقية، تُبنى على الفكر لا على الولاء، على الكفاءة لا على القرابة، على المشروع لا على الشخص. السودان لا تنقصه العقول، بل تنقصه أحزاب ترتقي إلى مستوى طموحات شعبه.
إن لم يتحقق ذلك، فسيبقى المشهد كما هو: نخاسة سياسية بلا ضمير، تُتاجر بالوطن، بينما يغرق الناس في الجوع والحرب والتيه.
