خاص سودان تمورو
في الوقت الذي كانت فيه عدسات الإعلام تلتقط صور اللقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في مدينة العلمين، كانت المواقف تُصاغ بلغة مألوفة: وحدة السودان، أمن النيل، التعاون الإقليمي، دعم الاستقرار. لكنها لغة فقدت بريقها لدى كثير من السودانيين الذين يرون في هذه اللقاءات مجرد تكرار لوعود لا تصمد أمام التغيرات الحادة على الأرض. فخلف خطاب الطمأنة والبيانات المشتركة، تتشكل ملامح مشهد إقليمي مغاير، تسوده حسابات المصالح لا المبادئ، وتُدار فيه التحالفات بمنطق مرن، أقرب إلى البراغماتية الباردة منه إلى الثوابت.
منذ اندلاع الحرب، انحازت القاهرة بوضوح إلى الجيش السوداني، ليس فقط انطلاقًا من علاقات تاريخية أو رؤى مشتركة، بل لأن أمن السودان بات جزءًا لا يتجزأ من أمن مصر المائي والاستراتيجي. لكن مع استمرار الحرب واتساع رقعتها، ومع التغيرات الميدانية التي أفرزت واقعًا جديدًا على الأرض، بدأت بعض المؤشرات تثير تساؤلات جدية حول مدى ثبات الموقف المصري. فما الذي يعنيه أن تسيطر قوات الدعم السريع على مثلث جبل العوينات، الحدودي مع مصر وليبيا، وسط حديث عن تنسيق مباشر مع اللواء خليفة حفتر، الحليف القوي للقاهرة؟ وهل ما جرى مجرد مناورة ميدانية، أم إشارة إلى توازنات إقليمية تعاد صياغتها خلف الكواليس؟
تصريحات حميدتي الأخيرة، التي تحدث فيها عن “مراجعة” مواقف الدعم السريع تجاه القاهرة، لم تكن بريئة في توقيتها ولا في مضمونها. إنها محاولة واضحة لإغراء مصر، أو على الأقل لإرباك تحالفاتها، وفتح باب خلفي لتفاهمات سياسية مستقبلية. لكن الأهم من ذلك، أن هذه التصريحات تعكس اقتناعًا متناميًا لدى بعض الأطراف بأن مصر قد لا تكون متمسكة بحليفها القديم إلى النهاية، وأنها بدأت، بهدوء، في التفكير بسيناريوهات بديلة، تحسبًا لانهيار الجيش أو فشل مساره العسكري.
اللقاء في العلمين نتمنى أن يبعث برسائل حاسمة. ويزيل الغموض، ويوصد الباب أمام التأويلات. فهل ما تزال مصر ترى في الجيش السوداني الخيار الوحيد لبناء الدولة واستعادة الاستقرار؟ أم أنها تتجه نحو تبني دور الوسيط، وتتعامل مع جميع القوى بوصفها أطرافًا محتملة في تسوية سياسية قادمة؟ الإجابات غائبة، والتصريحات فضفاضة، بينما يدفع السودان ثمن كل يوم تتأخر فيه مواقف واضحة، وكل لحظة يتقدم فيها الدعم السريع على حساب الدولة والجيش.
السودان ليس مجرد دولة جارة، بل هو امتداد للأمن القومي المصري. وإذا اختارت القاهرة أن تمارس براغماتية اللحظة، على حساب وضوح الموقف ودعمه بالوسائل الفعلية، فإنها قد تجد نفسها لاحقًا أمام واقع إقليمي أعقد، تتحول فيه قوات متمردة إلى قوة أمر واقع، وربما إلى لاعب رسمي في إعادة تشكيل السودان. هذا لا يعني أن مصر يجب أن تتبنى موقفًا صداميًا مع الجميع، بل يعني أن وقت المواقف الرمادية قد انتهى، وأن المنطقة لا تحتمل حيادًا مغلفًا بالدبلوماسية، في لحظة تحتاج إلى قرارات صارمة ومسارات شفافة.
مصر الآن أمام اختبار مصيري: إما أن تكون الداعم الصلب لبقاء الدولة السودانية، بوحدة ترابية ومؤسسات شرعية، أو أن تجد نفسها لاحقًا تتعامل مع خرائط جديدة، وتحالفات غير مضمونة، وحدود ملتهبة. في الحروب، لا توجد مسافات آمنة. إما أن تكون في قلب المعادلة، أو تصبح ضحية لتداعياتها. والسودان، وقد أصبح ميدانًا لصراع إقليمي مكتوم، لم يعد يحتمل ترف الحسابات الطويلة. فإذا كان خطاب القاهرة لا يزال يتحدث عن “الأمن القومي المشترك”، فإن هذه العبارة لم تعد تكفي ما لم تُترجم إلى سياسة واضحة، ودور صريح، وخط أحمر لا يُخترق.
إن انزلاق السودان نحو التقسيم أو انهيار الدولة سيكون كارثة تتجاوز الخرطوم، وستصل إلى عمق القاهرة. ولذلك، فإن أي تلكؤ في إعلان موقف صريح من دعم الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية لن يُقرأ سوى كتراجع، أو كاستعداد للتعامل مع منطق القوة، لا الشرعية. ومصر التي تملك تاريخًا من التأثير الإقليمي، مطالبة بأن لا تدير ظهرها لجارها المنكوب، وأن تختار موقعها من المعركة بوضوح لا يحتمل التأويل. أما الرهان على الحياد التكتيكي، فلن يجلب لها سوى خسائر استراتيجية، يصعب تداركها في المستقبل.
