السبت, يونيو 6, 2026
الرئيسيةأخبار السودانالسودان بين صراع السلطة وتفكك الدولة!

السودان بين صراع السلطة وتفكك الدولة!

خاص سودان تمورو

في كل مرة يبدو أن المشهد السوداني قد بلغ الحضيض، يثبت الواقع أنه ما زال قادرًا على الانحدار أكثر. الهجمات الأخيرة التي شنتها قوات الدعم السريع على مدينتي مروي والدبة باستخدام مسيرات انتحارية، ليست مجرد تصعيد عسكري فحسب، بل إعلان واضح عن رغبة الدعم السريع في استمرار الصراع. وبينما تستعر المعارك على أكثر من جبهة، من الولاية الشمالية إلى دارفور، تبدو النخب السياسية والعسكرية مشغولة بلعبة توزيع المناصب، وكأن البلاد لا تنهار تحت أقدامهم.

لم يعد بالإمكان توصيف ما يحدث في السودان كحرب تقليدية بين جيش وميليشيا، بل بات من الواضح أن الدولة نفسها تتآكل من الداخل، وأن أدوات السلطة التي يفترض بها حماية الشعب، قد انكفأت على ذاتها، وانشغلت بحسابات النفوذ وتقاسم الغنائم. قوات الدعم السريع، التي تطورت من مليشيا قبلية إلى قوة عسكرية منظمة تمتلك طائرات مسيرة ومدفعية ثقيلة، تواصل توسيع رقعة سيطرتها، وتضرب بعمق في مناطق كانت تعد خطوطًا حمراء.

المدن السودانية، من الفاشر إلى الخرطوم، لم تعد سوى مساحات مفتوحة للدمار والتهجير والنزوح. ودارفور، التي لم تندمل جراحها منذ عقود، تعيش فصولًا جديدة من المأساة، حيث القصف العشوائي، والتسلل العسكري، وفقدان السيطرة، كلها أصبحت عناوين يومية للحياة في الإقليم المنكوب. لم يعد هناك مجال للحديث عن “معركة مع التمرد” فقط، بل نحن أمام مشهد أكثر خطورة: تفكك الدولة السودانية، وتحلل مؤسساتها، وعجز تام عن ضبط الأمن أو فرض السيادة.

المفارقة المؤلمة هي أن من يفترض أنهم على رأس الدولة لا يظهرون في واجهة المعركة الوطنية، بل في كواليس المحاصصة السياسية، يتفاوضون على مناصب وزارية ومواقع إدارية، وكأن السودان بخير، وكأن الوقت يسمح بالترف السياسي. هذه النخبة التي عجزت عن بناء توافق حقيقي منذ الثورة، تثبت مرة أخرى أنها غير قادرة على الارتقاء لمستوى التحديات الوطنية، وأنها لا ترى في هذه الحرب سوى خلفية يمكن استغلالها لترسيخ مصالحها.

في المقابل، تستفيد قوات الدعم السريع من هذا التراخي والانقسام، فتعيد تنظيم صفوفها، وتُطور أسلحتها، وتتمدد في الفراغ الأمني والسياسي. هي لا تحارب فقط بالرصاص، بل بالبُعد الإعلامي والنفسي والعسكري، فيما خصومها يبدون وكأنهم لا يملكون سوى الخطابات والاتهامات المتبادلة. وإذا استمر هذا المسار، فإن البلاد تتجه بثبات نحو نموذج الدولة المنهارة، حيث لا قانون ولا جيش ولا حكومة مركزية، بل مجموعات مسلحة تتقاسم النفوذ على أنقاض الوطن.

السودان، اليوم، لا يملك رفاهية الانتظار. فإما أن تعي القيادة العسكرية والمدنية حجم الكارثة التي تقترب، وتتوحد لمواجهة هذا التهديد الوجودي، أو أن تصحو على واقع جديد: وطن مقسم، وشعب مشرد، ودولة بلا هوية. المسألة لم تعد خلافًا على من يحكم، بل سؤالًا مريرًا عن ما إذا كان هناك وطنٌ سيبقى ليُحكم أصلًا. الزمن لا ينتظر، والمجتمع الدولي يتعامل مع ما يحدث كأزمة مزمنة لا أكثر، والشعب السوداني وحده يدفع الثمن. فهل من صحوة أخيرة قبل أن يُغلق التاريخ هذا الفصل المأساوي؟ أم أن السودان كتب عليه أن يتحول من دولة إلى جغرافيا ممزقة بحروب السلطة، ونسيجها الاجتماعي ممزق بصراعات النخب؟.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات