الأحد, أبريل 26, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباردائرة العنف المفرغة.. هل يعالج الجيش الداء بالداء؟

دائرة العنف المفرغة.. هل يعالج الجيش الداء بالداء؟

خاص سودان تمورو

في ظل النزيف المستمر الذي يعصف بالسودان، تبرز تصريحات نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، خالد عمر، لتفضح ما يُدار خلف دخان البنادق: الدولة فقدت احتكارها للعنف المشروع، والجيش لم يعد ذلك الحصن الذي تستند إليه الدولة، بل غدا طرفاً فاعلاً – وربما عاجزًا – في معادلة فوضوية لا يخضع فيها أحد لأحد. حين تصبح الدولة عاجزة عن ضبط السلاح، وحين يُسلَّم العنف لغير أهله، فذلك ليس خللاً عابرًا، بل انهيار بنيوي شبيه بانتحار بطيء لمفهوم الدولة ذاته.

ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرّد تمرد من طرف واحد، بل مشهد متكامل لانحلال سلطة الدولة، يقوده جيش اختار أن يعالج هشاشته عبر تكرار الخطيئة. بالأمس القريب، لجأ الجيش إلى إنشاء “الدعم السريع” لملء فراغه في مواجهة الحركات المسلحة، وها هو اليوم يكرّر السيناريو ذاته، لكن بممثلين جدد: ميليشيات محلية وقبلية، تُسلّح وتُستخدم دون ضوابط، في محاولة يائسة لكسر شوكة “الدعم السريع” الذي كان يوماً حليفاً. الداء ذاته يُستخدم كدواء، والنتيجة المتوقعة: تفشٍّ أكبر للوباء.

هذه الميليشيات التي تُستدعى كل مرة كأدوات مؤقتة، سرعان ما تتحول إلى طامعين في نصيب من السلطة والثروة. السلاح الممنوح اليوم على سبيل “الضرورة”، سيُستخدم غداً للمساومة والضغط وربما التمرد. إنها وصفة مألوفة لكل الدول التي انهارت: من العراق بعد الغزو الأمريكي، إلى ليبيا بعد سقوط القذافي، والآن السودان يكرر الدرس ذاته، لكن بإصرار على تجاهل العواقب.

الخطير في هذا النمط ليس فقط تعدد الميليشيات، بل غياب أية مرجعية موحّدة تضبط المشهد. لا تراتبية، لا قيادة مركزية، لا عقيدة موحدة، بل تحالف هش من العصبيات والمصالح المؤقتة. وفي هذا المناخ، لا يمكن الحديث عن “جيش وطني”، بل عن كيان ممزق، محاط بقوى سائلة لا تعترف بالولاء سوى للغنائم.

ليس من الحكمة أن يواصل الجيش السوداني الانغماس في هذا المنحدر. ما يحتاجه السودان اليوم ليس المزيد من السلاح، بل إعادة تعريف الوظيفة الأساسية للجيش: حماية الدولة، لا اقتسامها. عليه أن يعود مؤسسة قومية، جاذبة للمجندين، قادرة على تقديم مسار مهني محترف يحفز الشباب على الانضمام طوعاً لا كرهاً. عليه أن يستعيد ثقة المواطن، التي تآكلت مع كل صراع داخلي شارك فيه، وكل تسوية قام بها مع أمراء السلاح.

الجيش ليس وحده المسؤول، لكن مسؤوليته مركزية. لأن انهياره يعني انهيار آخر عمود في هيكل الدولة. فإن لم يستفق من وهم الميليشيات ويدرك أن تسليح الغير يعني نزع شرعيته هو، فإن الدولة السودانية قد تدخل طوراً من الفوضى لا عودة منه. في هذه اللحظة المفصلية، لا مكان لأنصاف الحلول ولا لتسكين الجراح عبر مسكنات مؤقتة.

السودان لا يملك ترف التردد. فإما أن يُبنى جيش جديد على أسس المهنية والاحتراف والولاء الوطني، أو يستمر البلد في التفتت تحت سطوة السلاح، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الرشاش، ولا قانون يحكم سوى قانون الغلبة. السؤال لم يعد إن كانت الدولة ستنهار، بل كم بقي من الوقت قبل أن يسقط آخر جدار.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات