سودان تمورو:
في ظلّ صمت دولي مُخجل، تواصل مليشيا الدعم السريع ارتكاب جرائمها الوحشية بحق المدنيين في السودان، وكأن دماء السودانيين صارت ماءً لا يُكترث به. الأخبار القادمة من شمال كردفان لا تحمل فقط أرقام القتلى والمشردين، بل تروي حكاية شعب يُباد على مرأى ومسمع من عالم اختار أن يغض الطرف. مقتل العشرات، تشريد مئات العائلات، وحرق قرى بكاملها مثل شق النوم والكردي ليست تفاصيل في تقرير عابر، بل علامات على أن ما يحدث هو جريمة مُمنهجة ضد الإنسانية، لا صراعًا مسلحًا مشروعًا ولا مواجهة سياسية.
حين يُقتل 46 مدنيًا في هجمات متفرقة، وتُشرد 675 أسرة في ليلة واحدة، فذلك ليس اشتباكًا مسلحًا، بل مجزرة مكتملة الأركان. كيف يمكن تفسير قتل الأطفال قبل أن يعرفوا سبب هذه الحرب، واغتصاب النساء كأداة للترهيب؟ كيف يُحرق التاريخ والجغرافيا معًا بينما العالم يُصر على مناشدة الأطراف للتهدئة وكأن الجميع سواسية في الجريمة؟ لا شيء في سلوك هذه الميليشيا يشي بأنها تخوض حربًا من أجل مطالب شعبية أو حقوق مسلوبة. الدعم السريع لا يقاتل الجيش فقط، بل يقاتل فكرة السودان ذاته، يقاتل الانتماء، يقاتل ما تبقى من أمل في وطن يجمع أبناءه تحت مظلة القانون والعدالة.
الصمت الدولي المطبق حيال ما يحدث ليس عجزًا بريئًا بل تواطؤ فاضح. الأمم المتحدة تصدر بيانات خجولة، ومحكمة الجنايات الدولية تصم أذنيها عن نداءات الضحايا، وكأن السودان لا يستحق أن تُطبّق عليه قوانين العدالة الدولية. بهذا الصمت، يتحول العالم إلى شريك غير معلن في الجريمة، يمنح المليشيات ضوءًا أخضر لمواصلة القتل والتهجير والتدمير بلا حسيب أو رقيب.
السودانيون اليوم يذبحون في كردفان وغيرها، في مشاهد تعيد إلى الأذهان أسوأ فصول الإبادة في التاريخ الحديث. وإذا كان العالم قد اعتاد التواطؤ، فعلى السودانيين أن يدركوا أن خلاصهم لن يأتي من الخارج، بل من إرادة داخلية ترفض الاستسلام لمشروع تفتيت البلاد وتحويلها إلى إمارات حرب تتحكم فيها البنادق.
ما يحدث ليس أزمة سياسية، بل جريمة ضد الإنسانية تُرتكب أمام أعين الجميع. ولا عذر بعد اليوم لأي ضمير عالمي يبرر أو يبرّد أو يتعامى عن الحقيقة الساطعة. صرخة كردفان هي صرخة السودان كله: إن لم نجد من يُنقذنا، فلا أقل من أن نشهد للعالم على قبحه، وعلى تواطئه مع جلادينا.
إذا كان السكوت عن الظلم جريمة، فإن التبرير له شرك بالظلم ذاته. والسودان اليوم، في شمال كردفان تحديدًا، لا يطلب سوى أن لا يُقتل مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بصمت العالم.
