خاص سودان تمورو
كم هي مثيرة للشفقة تلك العبارات التي تتشدق بها حركة العدل والمساواة حين تصف وزراءها بأنهم “وزراء لكل السودانيين برؤى طموحة لنهضة شاملة”. لم تعد مثل هذه العبارات قادرة حتى على خداع طفلٍ يعرف أن الساسة في هذا البلد لا يجيدون سوى الكذب. فمتى كان من يتسابقون على الوزارات الإيرادية، ويقاتلون لانتزاع حصة في السلطة، وزراء لكل الشعب؟ أن تكون “وزيرًا لكل السودانيين” معناه أن تكون جزءًا من مشروع وطني جامع، لا مجرد تابع لحركة مسلحة جعلت السلطة ثمناً لدماء الضحايا وصفقات الحرب.
لقد سقطت آخر أوراق التوت عن أولئك الذين لبسوا ثوب النضال ردحاً من الزمن. وجوههم الحقيقية ظهرت بلا مساحيق، وكل ما في المشهد يشي بأننا أمام حفنة من أمراء الحرب الذين باعوا السلاح في سوق السياسة الرخيصة، وارتضوا أن يكونوا أدوات في لعبة تقاسم الخراب. جبريل إبراهيم، مناوي، حميدتي، حجر، صندل، عقار، الحلو، وحمدوك… كلكم في كفة واحدة، كفة المصالح الذاتية، كفة من يرى في هذا الوطن مجرد غنيمة.
لم يكن السلاح يوماً من أجل دارفور ولا من أجل الهامش، بل كان سلماً للسلطة، وطريقاً معبداً بمآسي النازحين واللاجئين إلى كراسي الحكم. يكفي أن تنظر إلى حال التعليم والصحة والبنى التحتية في الهامش الذي زعمتم تمثيله لتعلم أنكم كذبتم حين قلتم أنكم تحاربون لأجله. كيف لعاقل أن يصدق أن من سيطر على الوزارات الإيرادية السيادية، ومن وضع يده على مفاصل الاقتصاد، يفعل ذلك من أجل الفقراء؟ كفى استغباءً لعقول الناس.
“حكومة الأمل” التي يتحدثون عنها ليست سوى حكومة وهم، حكومة صُممت على مقاس أطماع الحركات المسلحة وشركائهم من العسكر. تلك الشراكة الدامية التي حولت الثورة إلى صفقة، والدم إلى وسيلة للوصول إلى مقاعد الحكم. إننا نعيش تحت سلطة من تاجروا بآلام السودانيين، وسمسروا بدماء الشهداء، فكيف ننتظر منهم إصلاحاً أو نهضة؟
الشعب السوداني ليس غبياً. ربما خدعته الشعارات لبعض الوقت، وربما انطلت عليه ألاعيبكم في بداية الطريق، لكنه اليوم يعرفكم حق المعرفة. يعرف أنكم لا تختلفون عن النظام البائد في شيء سوى في الشعارات واللافتات. أنتم ذات النظام لكن بوجوه وأسماء جديدة، وذات العقلية النفعية الجشعة.
لقد سقطت الأقنعة. ومن يتصور أن بإمكانه شراء الزمن ببيانات جوفاء وخطب رنانة فهو واهم. السودان لا يحتاج إلى قادة يحملون بنادقهم في الصباح وحقائبهم الوزارية في المساء، بل يحتاج إلى مشروع وطني خالص، بلا تزييف ولا صفقات.
هذه لحظة الحقيقة: إما أن تكونوا مع الشعب حقاً وتخدمونه بلا مقابل ولا منّ، أو فلتتأهبوا لمزبلة التاريخ التي تنتظركم وتنتظر كل من جعل من هذه البلاد جسر عبور لمصالحه الشخصية.
