الخميس, مايو 14, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباردرع كردفان المسلح.. مقاومة أم بداية لدوامة الفوضى؟

درع كردفان المسلح.. مقاومة أم بداية لدوامة الفوضى؟

سودان تمورو:

في قلب الفوضى التي تضرب السودان، وتحت وابل الانهيار الذي يفتك بالدولة والمجتمع، خرج إلى العلن كيان جديد يحمل اسم “درع كردفان المسلح”، في محاولة لصياغة معادلة جديدة في ميزان القوة، ومواجهة واقع التهميش والإقصاء الذي لازم الإقليم لعقود. البيان التأسيسي للحركة جاء محمّلاً بنبرة غاضبة ومطالب مشروعة، لكنه أيضًا يفتح الباب على مصراعيه لتساؤلات مقلقة عن مآلات عسكرة المجتمعات المحلية، وشرعية المقاومة في ظل انهيار القانون وانكفاء الدولة.

ليست هذه المرة الأولى التي ينبثق فيها صوت مسلح من الهامش السوداني احتجاجًا على مركزٍ لم يُحسن الإصغاء، ولا يحسن إلا لغة القوة والهيمنة. فقد ظلت كردفان، كغيرها من أقاليم السودان الطرفية، تُستنزف وتُنهب باسم التنمية، وتُقصى من دوائر القرار باسم السيادة. ومع كل حرب، يتكرّر المشهد: المركز ينهار، والأطراف تنفجر. ما قاله بيان الحركة عن أن الثروات تُنهب من أرض الموارد، والشباب يُستنزفون من أرض الرجال، هو تلخيص موجز لجرح مفتوح في الجسد السوداني منذ الاستقلال.

لكن بين شرعية المظلومية ومخاطر ردّ الفعل المسلح، يقف السودان على حافة هاوية جديدة. فمقاومة الدعم السريع، وهي مقاومة ضرورية وبديهية في ظل ما ارتكبته هذه القوة من فظائع موثّقة، يجب أن تُدار بعقلانية، لا بردّات فعل منفلتة. لأن أكبر خطر يتهدد السودان اليوم ليس فقط في فشل الدولة، بل في تفكك المجتمع إلى مجموعات مسلحة ترى في السلاح وسيلتها الوحيدة للعدالة والانتماء.

“درع كردفان” تقول إنها ليست عدوانية، بل مقاومة دفاعية، وتؤكد أن قضيتها وطنية لا جهوية، لكن الواقع يُحذر من أن التاريخ كثيرًا ما حوّل الحركات النبيلة إلى أدوات انقسام وكارثة. فالنيات لا تكفي حين يدخل السلاح على الخط، وتتشكل القيادات الميدانية في فراغ السلطة، وتنمو النزعة المحلية على حساب الرؤية الوطنية. ومن هنا فإن الخطر لا يكمن فقط في وجود حركات مثل “درع كردفان”، بل في غياب الإطار الوطني الذي يحتويها ويمنعها من التحول إلى مليشيات منفلتة قد تعيد إنتاج الكارثة بأسماء جديدة ورايات مختلفة.

المقاومة حق، لكن المقاومة بلا مشروع سياسي جامع تصبح أداة للفوضى. والسلاح ضرورة في مواجهة الإبادة، لكنه كارثة إذا أصبح مشروعًا للبقاء. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط تفهّم خروج أصوات مسلحة من الهامش، بل استيعابها ضمن خطة وطنية واضحة المعالم، ومؤقتة الأمد، ومشددة على أن ما يُحمل اليوم دفاعًا عن الأرض يجب أن يُسلم غدًا لبناء الدولة. فالسودان لا يحتمل حرب مليشيات بعد أن أُنهك من حرب الجيوش.

صوت كردفان يجب أن يُسمع، ولكن ليس عبر فوهة البندقية وحدها. والمظلومية يجب أن تُرد، ولكن ضمن وطن يتسع للجميع، لا خرائط سلاح مرسومة بالدم. إن أكبر خطر اليوم ليس الدعم السريع فحسب، بل انزلاق السودانيين إلى منطق “السلاح مقابل السلاح”، و”الإقليم مقابل المركز”، و”الكرامة عبر فوهة الكلاشنيكوف”. لهذا، يجب أن تكون “درع كردفان” جرس إنذار، لا بذرة انفجار. فالحركات التي تبدأ باسم الدفاع عن المظلومين كثيرًا ما تنتهي وقد تحوّلت إلى سلطات موازية تظلم باسم العدالة وتتفكك باسم الحقوق.

اللحظة حرجة، والبلاد في مهب الريح، و”درع كردفان” ليست تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا على تحولٍ خطير إذا لم يُعالج بالحكمة والسرعة. فإن لم تُنظّم هذه الحركات في إطار وطني جامع، وتُضبط بالسقف الزمني والهدف المرحلي، فإننا نكون أمام بداية دورة دموية جديدة، لا أحد يعرف أين تنتهي. السودان لا يحتاج إلى أقاليم مسلحة، بل إلى وطن موحد يواجه أعداءه بصوت واحد، لا بندقيات متفرقة. والوطن لا يُبنى من الهامش وحده، بل من مركزٍ يعترف بالهامش، ويُعيد الحق لأهله دون أن يطلب منهم حمل السلاح.

وختامًا، فإن أخطر ما في بيان “درع كردفان” ليس لغته المليئة بالوجع، بل تلك العبارة التي قالت: “من كردفان نبدأ… لنبني السودان العادل”. فالسودان لن يُبنى من إقليم واحد، مهما كان مظلومًا، بل من عقدٍ وطني جديد يبدأ من الاعتراف بالجراح… لا بتكريسها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات