الأحد, أبريل 26, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباررئيس وزراء بلا صلاحيات في ظل هيمنة مجلس السيادة!

رئيس وزراء بلا صلاحيات في ظل هيمنة مجلس السيادة!

خاص سودان تمورو

في المشهد السوداني المأزوم، لا يحتاج المرء لكثير من التدقيق ليكتشف أن رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس مجرد عنوان بلا مضمون، وشاغل لمنصب فارغ من أدوات السلطة. فمنذ اللحظة الأولى لتعيينه، اتضح أن المنصب لا يتجاوز حدود التجميل السياسي، وأن السلطة الحقيقية ما تزال محجوزة خلف بوابات مجلس السيادة بقيادة العسكر. هي ذات اللعبة القديمة بوجوه جديدة: عسكر يحكمون، ومدنيون يزينون الواجهة.

كامل إدريس، الرجل القادم من خلفية دولية مشرفة وتجربة قانونية وفكرية معتبرة، لم يُتح له أن يتحرك في مساحات القرار السياسي أو التنفيذي. لم تُعط له الفرصة حتى ليخطئ أو يصيب، لأن مساحات القرار أصلاً محجوزة سلفاً. عناوين الأخبار وشواهد الواقع تنضح بوضوح فاضح: البرهان يمثل السودان في المحافل الدولية، الوزراء يقسمون أمامه لا أمام رئيسهم المفترض، واللجان السيادية تدير شؤون الدولة الكبرى، بينما يظل رئيس الوزراء على الهامش، متابعاً من بعيد.

ليست القضية أن مجلس السيادة “تغوّل” على صلاحيات إدريس، بل الحقيقة أن الإدريس لم تُمنح له صلاحيات أصلاً. هو رئيس وزراء مجازاً، لكنه في الواقع مدير تنفيذي للقرارات السيادية. هذا الترتيب لا يختلف عن منهجية عهد البشير، حين كان بكري حسن صالح ومعتز موسى ثم محمد طاهر إيلا يحملون لقب رئيس وزراء بلا سلطة، بينما القرارات تُحاك في دهاليز القصر وأجهزة الأمن. كأن السودان لا يريد مغادرة تلك المرحلة، بل يعيد استنساخها بوقاحة سياسية غير مسبوقة، في ظل ثورة كان من المفترض أن تطيح بكل هذا العبث.

هذا الوضع ليس انتقاصاً من شخص كامل إدريس أو تقليلاً من كفاءته، بل هو محصلة معادلة مختلة فرضها العسكر وباركتها بعض القوى المدنية الرخوة التي ارتضت المشاركة الصورية مقابل حفنة من المناصب. فالأزمة ليست في الشخص بل في المنظومة التي اختزلت الحكومة المدنية في تصريف الشؤون اليومية، بينما القرار الاستراتيجي والسيادي والأمني بيد العسكريين الذين يجلسون بثقلهم على صدر المرحلة الانتقالية.

كل هذا يطرح سؤالاً وجودياً حول جدوى وجود رئيس وزراء في هذا السياق، وإن كان مجرد مسمى لوظيفة شرفية. أما الأخطر فهو أن استمرار هذه الحالة يُنذر بتكرار المأساة: حكومة مدنية مُعطّلة، وعسكر يتحكمون في كل مفاصل الدولة، ما يعني أن أي حديث عن تحول ديمقراطي أو انتقال حقيقي للسلطة ليس أكثر من وهم.

لا مخرج من هذا العبث إلا بإعادة تعريف صلاحيات كل مؤسسة بوضوح لا يحتمل التأويل. فإما أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية لإعطاء الحكومة المدنية حقها الكامل في ممارسة السلطة، أو ليعلنوا بصراحة أن العسكر هم الحاكمون، وينتهي هذا المسرح الرديء. ما عدا ذلك فالسودان سيبقى حبيس دورات الانقلابات والتسويات الهشة، ينتج نفس الأزمات بأسماء وشخوص مختلفة.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: إلى متى يظل السودانيون أسرى لواجهة مدنية مغشوشة وسلطة عسكرية مستبدة؟ وهل يقبل الشارع السوداني، الذي دفع أثماناً غالية من دمائه، أن تُختزل أحلامه في مشهد هزيل كهذا؟ الإجابة ليست عند مجلس السيادة ولا عند كامل إدريس، بل في يد الشعب وحده.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات