الأحد, أبريل 19, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارواتساب في قبضة الدولة.. حماية أم حجب؟

واتساب في قبضة الدولة.. حماية أم حجب؟

سودان تمورو:

في خطوة تعكس التوترات العميقة بين منطق الدولة ومنطق الحرية الرقمية، أعلنت السلطات السودانية عزمها تقييد المكالمات الصوتية والمرئية عبر تطبيق “واتساب”، مبررة القرار بدواعي “الأمن القومي”. الإعلان الذي حدد تاريخ 25 يوليو لبداية تنفيذ الحظر، أثار موجة من الجدل، خاصة في ظل الحرب المشتعلة التي أعادت السودان إلى قلب صراعات السيادة والمعلومة. وعلى الرغم من تأكيد الحكومة أن المحادثات النصية ستظل متاحة، فإن الخطوة وُصفت بأنها فصل جديد من فصول الرقابة الرقمية، يختلط فيه الأمن بالسيطرة، والحماية بالإقصاء.

تتذرع الجهات الرسمية بكون القرار ضرورة مرحلية تقتضيها الظروف الأمنية الاستثنائية التي تمر بها البلاد، مشيرة إلى استغلال تطبيقات التراسل – ومنها واتساب – في التنسيق بين الفاعلين المسلحين، ونشر الشائعات، والتحريض على العنف. ومما يعزز منطق الدولة في هذا الصدد، تقارير أمنية دولية كشفت عن ثغرات في أمن التطبيق، إضافة إلى فضائح تسريب بيانات وعمليات تجسس تقف خلفها شركات مثل “NSO” الإسرائيلية، ما دفع دولًا كالهند وألمانيا والولايات المتحدة إلى تقييد استخدام “واتساب” داخل مؤسساتها الحكومية.

لكن الحقيقة الأوسع تتجاوز الجانب الأمني المحض. في بلد تتآكل فيه مؤسسات الدولة، ويغيب فيه القضاء المستقل، وتهيمن عليه سلطة الأمر الواقع، يصبح الحديث عن “حماية الأمن القومي” ملتبسًا، بل مشكوكًا في دوافعه. فغياب الشفافية، وانعدام النقاش العام، والاكتفاء بإصدار قرارات من علٍ دون استشارة أو مساءلة، يرسّخ ثقافة “الرقابة الوقائية” لا “السياسات الوقائية”، ويجعل من المواطن هدفًا لا شريكًا في الحفاظ على أمن البلاد.

يضاف إلى ذلك بُعد اقتصادي لا يمكن تجاهله. شركات الاتصالات السودانية تخسر مليارات من الجنيهات سنويًا بسبب الاعتماد الواسع على التطبيقات المجانية مثل واتساب، خصوصًا في المكالمات الدولية. ما يدفع كثيرين إلى قراءة القرار بوصفه محاولة لحماية أرباح تلك الشركات، التي ترتبط – في كثير من الحالات – بمصالح مراكز النفوذ. ومع ذلك، لا يُنقض البعد الأمني بمجرّد الإشارة إلى الدافع الاقتصادي، بل يكشف القرار عن تقاطع معقّد بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والمالية.

إلا أن جوهر الأزمة لا يكمن في القرار ذاته، بل في غياب خطاب رسمي ناضج يشرح للجمهور فحوى المخاطر، ويقترح بدائل وطنية آمنة تحمي خصوصية المستخدم دون التضحية بالسيادة. فالاختباء خلف شعارات عامة مثل “مصلحة الوطن” لا يبرّر مصادرة حق المواطن في التواصل، تمامًا كما أن التذرع بالحرب لا يمنح الدولة تفويضًا دائمًا لإغلاق نوافذ الناس على العالم.

قد يكون “واتساب” غير آمن، وقد تكون هناك مبررات حقيقية لضبط الفضاء الرقمي، ولكن المعضلة أن الدولة لا تحصّن نفسها عبر الحظر، بل ببناء منظومة سيبرانية وطنية ذات مصداقية، قائمة على الرقابة القضائية لا الإدارية، وعلى إشراك المجتمع في صياغة السياسات بدل الاكتفاء بفرضها.

في النهاية، لا يمكن إدارة الحروب الحديثة فقط بالمدافع، بل بخطط شاملة تشمل أمن البيانات والاتصالات، وتحترم الحريات الأساسية. فبين أن تُدار الدولة بمنطق التحصين الرقمي أو بمنطق الحجب الرقابي، فارق جوهري لا يقاس بتقنية القرار بل بروحه. والسودان، الذي ينزف من كل أركانه، لا يحتاج إلى مزيد من الانغلاق، بل إلى دولة تثق في مواطنيها بقدر ما تطلب منهم الثقة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات