سودان تمورو
لم تعد المسألة بحاجة إلى أقنعة دبلوماسية أو تصريحات ناعمة لتبرئة واشنطن من جرائم إسرائيل في المنطقة. فكل من يفهم قواعد لعبة الأمم يدرك أن إسرائيل ليست سوى رأس الحربة في المشروع الأمريكي للهيمنة على الشرق الأوسط. هذا الكيان ليس دولة مستقلة بقراراتها كما تدّعي النخب الغربية، بل هو أشبه بأداة عسكرية متقدمة تتحرك وفق مصالح سيدها الأمريكي، وتخدم استراتيجيته في إبقاء المنطقة غارقة في الفوضى والانقسام.
تتحدث واشنطن عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” وكأنها لا تمسك بخيوط اللعبة جميعها. كيف يدافع عن النفس كيان يحظى بتمويل عسكري بمليارات الدولارات من أمريكا، ويحظى بحماية مطلقة في مجلس الأمن عبر الفيتو؟ وكيف تصدق شعوب المنطقة هذا الادعاء السخيف بينما كل اعتداء إسرائيلي يبدأ بضوء أخضر أمريكي، ويمر عبر مصانع السلاح في واشنطن، ويجد تغطيته في الإعلام الغربي المتواطئ؟
الأمريكيون يتقنون هندسة الأزمات: يطلقون العنان لإسرائيل كي تقصف وتغتال وتغتصب الحقوق، ثم يظهرون على المسرح بدور “الوسيط الحريص” على التهدئة والاستقرار. إنها نسخة مكررة من سياسة العصا والجزرة، لكن بثوب أكثر وقاحة. لم تكن إسرائيل يوماً سوى أداة تنفيذ لمشاريع التقسيم والتفتيت وإضعاف الدول المحورية في المنطقة. كل ضربة عسكرية إسرائيلية، كل اغتيال سياسي، كل توسع استيطاني، ليس قراراً ذاتياً بل هو جزء من مخطط استراتيجي أمريكي يتم تنفيذه بيد إسرائيلية.
حتى التصريحات الأمريكية التي تحاول تبرئة نفسها من الدم العربي المسفوك على يد الاحتلال، ليست سوى جزء من سيناريو مدروس: واشنطن لا تريد أن تبدو متورطة بشكل مباشر، لكنها تظل المايسترو الذي يضبط إيقاع الحرب والسلام كما تشتهي مصالحه. إنها معادلة استعمارية قديمة: الاحتلال المباشر استُبدل بوكيل وظيفي، والنتيجة واحدة: نهب الثروات، وتكبيل الإرادة، ومنع أي نهضة عربية قد تُهدد عرش الإمبراطورية.
أما الشعوب العربية، فقد سقط عنها قناع الوهم منذ زمن. بات واضحاً أن أمريكا هي الداعم الأول والأخير لكل ما تفعله إسرائيل، وأن الحديث عن حياد أمريكي ليس إلا خدعة كبرى. لم يعد مقبولاً أن نستمع إلى مواعظ الأمريكيين عن “حقوق الإنسان” و”القانون الدولي” فيما هم يصنعون القتل بأيدٍ إسرائيلية، ويشعلون الفتن بأموالهم وسياساتهم الملتوية.
إن لعبة الأمم التي تديرها واشنطن عبر إسرائيل لن تستمر إلى الأبد. الشعوب الحية تعرف الآن من العدو الحقيقي، وتدرك أن المعركة ليست فقط مع الاحتلال الصهيوني، بل مع منظومته الغربية التي تحميه وتغذيه وتوجهه كأداة بيد من حديد.
