السبت, أبريل 25, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارتحالف "صمود" بين إغراء الخارج وضرورة الداخل!

تحالف “صمود” بين إغراء الخارج وضرورة الداخل!

خاص سودان تمورو

في زحمة الخراب السوداني، يتقدم تحالف “صمود” بمظهر المنقذ الباحث عن وقف الحرب وإنقاذ ما تبقى من وطن، لكنه سرعان ما يقع في ذات الفخ الذي طالما علقنا فيه: الارتهان للخارج تحت لافتة الحلول السياسية. استقبال التحالف لمبادرة “الرباعية” بحفاوة يشبه استغاثة الغريق بمن بيدهم قارب مثقوب، فلا أحد من الرباعية أو غيرها يتحرك إلا بميزان المصالح، وليس من بينها أوجاع السودانيين أو أشلاء مدنهم المدمرة.

في تجربة “صمود” لا تنقص النوايا، بل الأدوات وفهم معادلات الصراع. فالذين قادوا المرحلة الانتقالية سابقًا باسم “قوى الحرية والتغيير” لم يتعلموا من التجربة التي أخفقت لا لأن العسكر أقوى، بل لأن أدواتهم كانت مستوردة من مدارس لا تعرف شيئًا عن تعقيدات السودان، من روشتات البنك الدولي إلى التعويل على ضغط العواصم الغربية. النتيجة أن العسكر تمددوا، والاقتصاد انهار، والسياسة فقدت طابعها الوطني وصارت ملفًا بيد العواصم.

كيف لتحالف يرفع شعار “الصمود” أن يركع أمام الإملاءات الخارجية في كل محطة؟ كيف يصمد من يُبدد كل فرصة لحوار داخلي شامل بحجة أن الخارج يملك مفاتيح الحل؟ إن السودان ليس مجرد “مشروع ديمقراطي” على طاولة نخب الليبراليين الجدد، بل هو بلد ضارب في جذور التعقيد الاجتماعي والثقافي، ولا يُصلحه إلا حوار ينتج من رحم معاناته، لا من قاعات المؤتمرات في أديس أبابا أو واشنطن.

الدول الكبرى التي يتودد إليها التحالف ليست محكمة للعدل ولا جمعيات خيرية. أمريكا لا ترى في السودان سوى موقعه وثرواته، والخليج يراقب من زاوية أمنه الإقليمي وصراعاته، ومصر لا ترى في الملف السوداني إلا امتدادًا لصراعها على مياه النيل. الاعتقاد أن هذه القوى ستمنح السودان حلًا نزيهًا هو وهم سياسي، يدفع ثمنه السودانيون كل يوم دمًا وتشريدًا.

ثم أين هو الحوار السوداني السوداني؟ من يمثل السودانيين اليوم أصلًا؟ العسكر الذين دمروا الدولة؟ المليشيات التي تتقاسم الخراب؟ أم نخب سياسية تحولت إلى سفراء للغرب لا يعرفون كيف يخاطبون شعوبهم بلسان محلي؟ المشكلة أن تحالف “صمود” لم يراجع حتى الآن دوره في فشل المرحلة الانتقالية، ويصر على تدويل الحلول بدلًا من بناء مصالحة وطنية تُوقف الحرب وتعيد الاعتبار للسيادة الوطنية.

لا أحد ينكر أن العالم مترابط، ولا يمكن لأي بلد أن ينعزل عن الإقليم والعالم، لكن الخارج يجب أن يُستدعى كـ”شاهد” لا كـ”قاضٍ”. الدعم الخارجي قد يكون أداة مساعدة، لكن لا يجوز أن يكون الخطة الأساسية لتحالف يدعي تمثيل آمال السودانيين. القوة الحقيقية ليست في الرضا الأمريكي أو الخليجي، بل في بناء توازن داخلي، سياسي واجتماعي واقتصادي، يمنع احتكار الشرعية من أي طرف.

تحالف “صمود” اليوم أمام امتحان حقيقي: إما أن يتحول إلى وسيط مستقل، له القدرة على التقاط اللحظة التاريخية وقيادة حوار سوداني حقيقي بلا وصاية، أو يظل مجرد ظلّ لمقررات الخارج، يتبدد مع كل هزة سياسية جديدة. لا وقت للمجاملات أو الأوهام، فإما استقلال الإرادة أو المزيد من الخراب.

> “لا تطلبوا من الشجرة أن تثمر وهي مغروسة في تربة غير تربتها”. هذا المثل العربي القديم يطاردنا اليوم كما لو أنه كُتب عن مأساتنا السودانية، وعن تحالف لا يزال يظن أن بذور الخارج قد تنبت وطنًا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات