السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالمخطط الصهيوني المدعوم أمريكيًا!.. بقلم نزار أحمد

المخطط الصهيوني المدعوم أمريكيًا!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

في المشهد المتكرر من فصول التفاوض الفلسطيني-الإسرائيلي، تظهر حركة حماس على خشبة المسرح السياسي بخطاب يتأرجح بين الواقعية التكتيكية والضغوط الميدانية. تُعلن الحركة عن مرونة عالية واستعداد للتعامل بإيجابية مع المبادرات، مترافقة مع رسائل تطمين إلى الوسطاء والإقليم. لكن، خلف الكواليس، تتحرك آلة أمريكية-إسرائيلية لا ترى في هذه المفاوضات سوى فرصة لإعادة ترتيب ملامح مشروع تصفوي أكبر، عنوانه الأبرز: غزة كيان فاقد للسيادة محاصر بالحديد والنار أو مفرّغ من سكانه إلى الأبد.

الحديث المتكرر عن “مرونة” حماس لا يُغيّر في المعادلة شيئًا، ما دامت هذه المرونة تُقابل بسياسات تُجذر الاحتلال وتمنحه مزيدًا من الوقت لفرض أمر واقع جديد، تمامًا كما جرى في مراحل سابقة من القضية الفلسطينية. أي مفاوضات يمكن أن تُجرى، بينما تقف واشنطن داعمة بالكامل لمشروع إحلالي استيطاني لا يعترف بالوجود الفلسطيني أصلًا؟ التفاوض هنا ليس خيارًا عقلانيًا، بل فخًّا يتمدد في الزمان والمكان، عنوانه العريض: “استسلموا كي لا تُبادوا”، وهو خطاب يتكرر بلغة ناعمة أحيانًا، وبصواريخ موجهة أحيانًا أخرى.

تصريحات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، التي تُشكك في الموقف الفلسطيني وتُحمّل حماس مسؤولية التعطيل، ليست إلا ترجمة حقيقية للخط السياسي الأميركي الذي لم يغادر مربع الانحياز الكامل. فواشنطن، رغم كل الادعاءات، ليست وسيطًا، بل طرفٌ في المعركة. وحتى الترحيب الظاهري من بعض الوسطاء الإقليميين لا يُخفي حقيقة أن خيوط اللعبة لا تزال تُدار من تل أبيب مرورًا بالبنتاغون، وليس من أي غرفة مفاوضات افتراضية في الدوحة أو القاهرة.

المفارقة أن حماس، رغم إدراكها لطبيعة هذه المعادلة المختلّة، تواصل الإمساك بحبل التفاوض من جهة، وحمل راية المقاومة من جهة أخرى، محاولةً المشي فوق حبل مشدود فوق هاوية، حيث لا توازن ممكن ولا نتائج مرجوة. فهي تُدرك أن أي استجابة “مرنة” لن تُقابل بخطوة مقابلة من العدو، بل بمحاولة جديدة لتقييدها أو تقليم أظافرها أو إعادة تعريفها كـ”شريك أمني محتمل” لا كممثل شرعي لمشروع تحرري.

الأخطر من كل ذلك أن المشروع القائم اليوم لا يتوقف عند حد قصف البنى التحتية أو فرض الحصار، بل يتعداه إلى تفكيك الروح الوطنية في غزة، وتحويلها إلى ساحة خانعة بلا أفق سياسي، تُدار فيها الأزمات وتُبرمج المآسي ضمن جدول زمني محكم. التهجير ليس شعارًا يُلوّح به، بل واقع يتشكل على مراحل، تبدأ بتدمير سبل العيش وتنتهي بدفع الناس دفعًا إلى البحر أو الحدود. وما بين المرحلتين، مسرحية اسمها “المفاوضات”، وحوارٌ عبثي تُديره واشنطن بابتسامة دبلوماسية وسوط عسكري.

الصراع الحقيقي لم يكن يومًا على تهدئة أو وقف لإطلاق النار، بل على الهوية والحق والأرض. وما يجري في غزة هو محاولة لاختزال النكبة في قطاع صغير، لتحييد القضية الكبرى وتحويلها إلى أزمة إنسانية قابلة للحل عبر صناديق الإغاثة، وليس المقاومة. هذا هو جوهر اللعبة. ومن هنا، فإن المطلوب ليس مرونة، بل وضوح في الموقف الوطني، يُعيد تعريف الصراع باعتباره مواجهة مع مشروع اقتلاع، لا نزاعًا على شروط إدارة حياة تحت الاحتلال.

في هذا السياق، تبدو “المرونة” التي تُبديها حماس مجرد محاولة لتقليل الخسائر، لكنها قد تتحول إلى سلاحٍ ذي حدين، إذا استُخدمت كغطاء لإعادة إنتاج نفس المأزق الذي عانينا منه عقودًا: التفاوض مع محتل لا يريد شريكًا بل تابعًا، ولا يعترف بفلسطين إلا كملف أمني قابل للتدوير في مكاتب المخابرات. أما المقاومة — رغم كلفتها الباهظة — فتبقى اللغة الوحيدة التي يفهمها كيان لا يرى في الدم الفلسطيني سوى وقودًا لمشروعه التوسعي.

ما لم يُفهم أن هذا الصراع لا يُدار بالنيات ولا بتنازلات مجانية، فإن المسرحية ستستمر، ويظل الضحية هو شعبٌ لم يعد يثق لا في الوسطاء ولا في المجتمع الدولي، بل في قدرته على البقاء رغم كل شيء. لك الله يا غزة، لأنك لا تملكين من أدوات الرد سوى الصمود، ولأن الحرية — كما أثبت التاريخ — لا تُوهب، بل تُنتزع بالقوة والإرادة. والذين يراهنون على رحمة المحتل، لن يجنوا إلا المزيد من الذلّ تحت راية التفاوض.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات