سودان تمورو:
في زمن المفارقات السودانية، لا غرابة أن يخرج علينا والي وسط دارفور مصطفى تمبور بخطاب يتحدث فيه عن “زيف” مجموعات “لا للحرب”، متهمًا إياها بالاختباء خلف حياد مصطنع، فيما يتشح هو بعباءة “الوطنية القتالية” دون أن يرف له جفن أو يسائل ماضيه الملطخ بدماء الأبرياء. الجديد ليس في مضمون حكومة الدعم السريع الموازية، بل في جرأة الخطاب، واستخفافه بالعقول، حين يتحدث أحد صانعي الحرب عن خيانة من يرفضونها.
إن أقسى ما يمكن أن يصيب الوعي الجمعي في مرحلة كهذه هو محاولات فرض الاصطفاف القسري، وكأن الوطن قطعة سلاح يجب على الجميع تقبيل ماسورتها حتى ينال شرف الانتماء. تمبور، القادم من خلفية عسكرية-مليشياوية، يحاول اليوم إلباس قراراته ثوب الدولة، دون أن ينسى في كل إطلالة إعلامية أن يغمز من قناة كل من يرفض الحرب أو يدعو للسلام. لكن من خوّلك يا تمبور توزيع صكوك الوطنية؟ ومن قال إن الاصطفاف مع طرف دموي يمنحك حق محاسبة من اختار الوقوف خارج دائرة الدم؟
إن الفكرة الجوهرية التي يتهرب منها هذا الخطاب المليء بالتشكيك والتخوين هي أن الحرب، مهما حاول البعض تبريرها، ليست قدرًا محتومًا ولا حلاً مشروعًا لأزمة سياسية عميقة. والحقيقة التي لا يريدون مواجهتها هي أن غالبية السودانيين لا يرون في طرفي الحرب سوى وجهين لأزمة واحدة، وفشل جماعي أودى بالبلاد إلى الانهيار. فهل أصبح الحياد جريمة في عرفكم؟ وهل من يرفض رفع السلاح أصبح عميلاً في أجندات الخارج؟
مصطفى تمبور يتحدث عن تحالف صمود وكأنهم خصومه في معركة شخصية، لا كأصحاب موقف مبدئي يرى في الحرب عبثًا يجب وقفه. واللافت أن هذا الهجوم لا يصدر من شخصية مدنية أو فاعل حقوقي، بل من رجل أمضى سنوات في قيادة حركة مسلحة عاثت في الأرض فسادًا، ثم دخل القصر من بوابة اتفاق هش، لا ببوابة الشرعية الأخلاقية أو الرؤية الوطنية. فكيف يستقيم أن يتحول من كان بالأمس رمزًا للفوضى إلى وصيّ على النقاء الثوري؟ وكيف يُمنح من مارس العنف حق مصادرة أصوات تدعو للسلام؟
نحن كمواطنين عاديين، لا نعفي أحدًا من الفاعلين السياسيين والعسكريين من مسؤولية ما يحدث، وننظر بكثير من الارتياب لكل التحالفات والمواقف، لكننا في الوقت ذاته لا ننكر على أحد حقه في الأمل، حتى إن كان ذلك الأمل في قوة سياسية أو عسكرية خذلتنا مرارًا. فكما أن لك الحق يا تمبور أن تختار الانحياز للجيش – لأسباب نعرفها أكثر مما تظن – فمن حق الآخرين أن يرفضوا الانحياز، بل ويرفضوا الحرب بكليتها، دون أن يصادرهم أحد أو يصمهم بالزيف.
إن الحرب ليست مسابقة في الوطنية، ولا مقياسًا للولاء. هي مأساة أخلاقية وإنسانية ووطنية، ومن يرفض خوضها لا يعني بالضرورة أنه انبطح أو تآمر، بل قد يكون رفضه فعل مقاومة حقيقي ضد آلة الدم التي تلتهم هذا الوطن من أطرافه. وإن كان لا بد من الحديث عن “زيف”، فلننظر أولاً في تاريخ من يتحدثون الآن عن الإخلاص والولاء… من حمل السلاح بالأمس ضد الدولة، ثم لبس عباءة الدولة اليوم، ثم يهاجم من اختار ألا يقاتل أصلاً. أي زيف هذا الذي لا يراك إلا عبر مرآة الآخرين؟
انتهى عهد توزيع الألقاب والنعوت. انتهى زمن صكوك الوطنية التي تُمنح بحجم الاصطفاف ودرجة الانخراط في الحرب. ما عاد صوت البندقية هو الوحيد المسموع، وما عاد أحد فوق المساءلة. فليُقاتل من شاء، وليرفض من شاء، لكن لا تتطاولوا على المواقف التي لم تتورط في الدماء، ولا تمارسوا وعظًا داميًا باسم وطن لم تفلحوا في إنقاذه، بل كنتم من أسهم في تمزيقه.
الحرب ليست شرفًا، بل لعنة. والحياد ليس زيفًا، بل خيار من لم يعد يثق في أحد. فاسألوا أنفسكم: من أنتم حتى تتحدثوا عن الوطنية؟
