سودان تمورو
في لحظةٍ بدت كأنها تُكسر جدار الصمت، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده تعتزم الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين، مؤكدًا أن “لم يعد هناك أي مجال للانتظار”. ومع هذه الكلمات، انطلقت موجة ترحيبٍ في الأوساط العربية والفلسطينية، لكن خلف التصفيق الحذر، ثمة أسئلة ملحّة لا بد من طرحها: لماذا الآن؟ وما الذي تغيّر؟ وهل هذا الاعتراف المنتظَر خطوةٌ مبدئية نحو العدالة، أم مناورة سياسية ترتدي قناع الإنصاف؟
منذ أكثر من سبعين عامًا، والعالم يتفرّج على جرحٍ مفتوح اسمه فلسطين. ومنذ أكثر من سبعين عامًا، يتقن الغرب فن التبرير والتأجيل، يوازن بين المحتل والضحية، ويمنح الاحتلال غطاءً سياسياً وأمنياً تحت ستار “الحياد”. والآن، تأتي فرنسا لتقول إنها ستقنع “المترددين” بضرورة الاعتراف! وكأنّ الاعتراف ليس التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، بل قرارٌ انتقائيّ مرهونٌ بحسابات الربح والخسارة.
نُشيد بالخطوة الفرنسية، لا لأننا فجأةً صدّقنا أن باريس غيّرت جلدها، بل لأن هذا الاعتراف، إن تم، سيكون كسراً للسردية الغربية التقليدية التي تربط العدالة بإذن القوة، لا باستحقاق الضحية. إن إعلان فرنسا نابع من حاجة ملحّة لإعادة تموضع سياسي في منطقة تغلي، أكثر مما هو استجابة لعدالة غائبة. فرنسا ليست غريبة عن الاستعمار، بل واحدة من أبرز صنّاعه؛ من الجزائر إلى سوريا إلى لبنان، ثم إلى شراكتها العميقة مع الاحتلال الإسرائيلي. فهل استيقظت الآن؟ ربما، لكننا لا نُراهن على الضمائر التي تأخرت أكثر من سبعة عقود.
لا نخفي شكوكنا، لكننا لا نُفوّت الفرص. الاعتراف بفلسطين، حتى لو جاء من باب النفعية السياسية، يبقى خطوة نحو كسر الهيمنة الصهيونية على القرار الدولي. يبقى خرقًا في جدار الصمت الغربي المتواطئ، ورسالة واضحة للكيان المحتل بأن العالم بدأ يُعيد التفكير في صمته الطويل. ولكن لنعترف: الاعتراف وحده لا يكفي. إن لم تُترجم هذه الخطوة إلى مواقف واضحة ضد جرائم الاحتلال في غزة والضفة، فإنها ستبقى مجرّد إعلان حسن نية في زمن القتل الممنهج.
وبخصوص حل الدولتين نرفض تقسيم فلسطين، لا من باب العناد السياسي، بل لأن الأرض ليست معادلة حسابية تقبل التجزئة بين مغتصب وأصحاب حق. ولكن إذا ارتضى الشعب الفلسطيني، من موقع المعاناة والدم، أن يسلك طريق الدولة المقتطعة كمرحلة أولى، فإن دعمنا يجب أن يكون لإرادتهم لا لإملاءات المجتمع الدولي. المهم ألا نُضلّل، وألا نغترب عن الحقيقة: الاعتراف بالدولة لا يُلغي أصل الجريمة، ولا يبرّر وجودها، بل يجب أن يكون مقدّمة لمسارٍ يقود إلى التحرير الكامل، لا إلى الاكتفاء بالحد الأدنى من الحقوق.
الخطوة الفرنسية تحمل دلالات مهمة، لكنها لن تُقنعنا بأنها تحوّل أخلاقي كامل في السياسات الغربية. يجب أن تُستتبع بإجراءات حقيقية: قطع الدعم العسكري والسياسي للاحتلال، الاعتراف بحق العودة، وفرض عقوبات على من يُنكر هذا الحق. دون ذلك، سنبقى نتأرجح بين التصريحات والمآسي، بين الاعترافات الشكلية والوقائع الدامية.
قد تكون فرنسا اليوم قد فتحت نافذة في جدار الظلم، لكنها لا تزال واقفة على الحافة بين الفعل والتمثيل، بين الانحياز للحق والانخراط في مراوغات السياسة. لن نُصفّق كثيرًا، لكننا سنُراقب بدقة. الاعتراف بفلسطين يجب ألا يكون ورقة في بازار التوازنات الدولية، بل بداية لاسترداد ما لا يُردّ بالكلمات فقط: الأرض، الكرامة، والحرية.
وحتى ذلك الحين، سيبقى سؤالنا مفتوحًا: هل نعيش لحظة اعترافٍ حقيقيّ بفلسطين، أم لحظة التفافٍ ذكيّ على عدالةٍ مؤجلة؟
