خاص سودان تمورو
في زمنٍ تكاد فيه الأصوات العاقلة تُطمس تحت ركام الحرب والتحريض، خرج تصريح مني أركو مناوي، رئيس اللجنة السياسية لتحالف “الكتلة الديمقراطية”، كضوءٍ خافت في آخر النفق، لكنّه يحمل في جوهره جرأة الموقف ونبل الرؤية. حين قال: “لا مانع لدينا في التواصل مع صمود وحتى مع الدعم السريع، إذا التمسنا منه جانباً إيجابياً، لأننا في نهاية الأمر كلنا سودانيون ونريد أن نذهب مع بعضنا جميعاً”، لم يكن يغازل طرفاً ولا يبرر لخصمٍ، بل كان يمارس فعلاً وطنياً عميقاً عنوانه: لا خلاص بلا وحدة، ولا بقاء بلا تصالح.
ليس من السهل أن تتجرّد القوى السياسية من ذاكرة الصراع، وأن تفتح صفحة جديدة مع من كانت تقاتلهم أو تختلف معهم حتى الأمس القريب. لكن السياسة ليست سردية انتقام، بل ميدان لإدارة الخلاف وتحويله إلى توافق. في بلدٍ يتآكله التمزق وتُنهكه الحرب، يصبح الحديث عن الحوار مع كل الأطراف بمن فيها المختلفون والمسلحون شجاعة لا ضعفاً، وحنكة لا سذاجة.
ما عبّر عنه مناوي لا ينبغي أن يُؤخذ كتصريح استثنائي، بل كنموذج يُحتذى. لأن ما يهدد السودان ليس فقط الصراع المسلح، بل هذا الإصرار المزمن على الإقصاء، والاستعلاء السياسي، والخطاب المتعجرف الذي يرى الآخر خصماً وجودياً لا شريكاً في الوطن. لقد دُمِّرت دول لأنّ نخبتها لم تعرف متى تتواضع، ولم تدرك أنّ الوطن ليس ملكاً لفصيل أو جيش أو حزب، بل هو ميراث دمٍ وتاريخٍ وجغرافيا يشترك فيه الجميع أو ينهار على رؤوسهم جميعاً.
في هذا السياق، لا بدّ أن يعي الجميع أن اللحظة الراهنة لا تتحمل المزيد من العناد. الصغائر يجب أن تُطوى، والخصومات يجب أن تتحوّل إلى جسور للحوار، لا إلى وقودٍ للحرب. على القوى السياسية والمدنية والعسكرية أن تدرك أنّ البلاد تتآكل تحت أقدامهم، وأنّ الأوطان لا تُبنى عبر البيانات والتخوين، بل عبر شجاعة المصالحة وإرادة التلاقي.
كفى تشبثاً بأوهام النقاء السياسي. كفى تخندقاً خلف اللافتات والشعارات الفارغة. السودان يحتاج إلى من يعترف بأنّ المسافات مهما بعدت يمكن أن تُردم، إذا خلصت النوايا. المبادرة التي أطلقها مناوي – ولو بكلمة – يجب أن تُقابل بخطوات مقابلة من كل الأطراف. ولتكن البداية وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وتهيئةً لأرضية الحوار الوطني، وإقراراً بأنّه لا غالب ولا مغلوب في معركة الكل فيها خاسر.
التاريخ لا يُنصف المنتصرين بالسلاح فقط، بل يُنصف أولئك الذين امتلكوا الشجاعة ليضعوا الوطن قبل الثأر، والسلام قبل الشعارات. في تصريحه، لم يكن مناوي يُراوغ، بل كان يدقّ جرس الإنذار: إن لم نتصالح اليوم، قد لا يكون هناك وطن نتخاصم عليه غداً.
فليُسمع هذا النداء لمن لا تزال في قلبه بقية مسؤولية. ولتتحرّك الضمائر قبل أن يتحوّل الخراب إلى قدرٍ لا رجعة منه. السودان لا يحتمل المزيد من الكبرياء الجوفاء. السودان يحتاج إلى من يتواضع من أجل أن يبقى.
ولذلك… نعم، برافو مناوي. لأن صوتك ليس فقط صادقاً، بل لأنه جاء في اللحظة التي تحتاجها البلاد قبل أن تنفجر تماماً في صمت الموت.
