سودان تمورو:
في زمن الحرب، تتبدل الأقنعة سريعًا، ويتحوّل الجلاد إلى حكيم، والمهندس إلى منقذ، والخطاب المسموم إلى عظة في الوطنية. هذا بالضبط ما تعكسه تصريحات يوسف عزت، المستشار السابق لقائد قوات الدعم السريع، وهو يُحذر—بوجه جديد ولهجة ناعمة—من مخاطر “قيام سلطتين” في السودان، زاعمًا أن البلاد تسير نحو التقسيم ما لم يُسمع لصوت المواطن ويُحتكم لإرادته.
لكن من الذي ساهم في تمزيق جسد السودان حتى أصبح قيام سلطتين أمرًا واقعًا؟ أليست المليشيا التي كان عزت أحد صقورها، والتي رعت خطاب الإقصاء والتطهير السياسي، هي التي أجّجت نيران الحرب؟ أليس هو من روّج لرؤية الدعم السريع كـ”المنقذ” ضد ما سماه “الدولة العميقة”، واشترط تفكيك المؤسسات لا التفاوض، وساهم في نسف كل مبادرة للحل؟ فكيف يتحول اليوم، فجأة، إلى ناصح أمين يتحدث عن صوت المواطن وضرورة الدعم الدولي لوحدة السودان؟
إن جوهر الأزمة لا يكمن في تعدد السلطات فحسب، بل في انعدام المشروعية الأخلاقية والسياسية لكل من يحكم باسم القوة. الجيش الذي فقد حياده وتحول إلى لاعب سياسي، والدعم السريع الذي انفلت من الدولة وتحول إلى قوة أمر واقع، كلاهما مسؤولان عن تمزيق السودان وتحويله إلى ساحة لحروب الوكالة. فما معنى أن تُحذر من التقسيم، بعد أن كنت شريكًا في هندسته؟ وما جدوى الحديث عن مفاوضات “شاملة” وأنت من وضع العراقيل أمامها حين كنت في موقع القوة؟
هؤلاء الذين يتحدثون اليوم بلسان الحكمة، كانوا بالأمس أبواقًا لانتهاكات صارت موثقة بالصوت والصورة. مارسوا التضليل والتخوين والتعبئة العنيفة، وساهموا في نشر خطاب الكراهية وتفتيت النسيج الوطني، وعندما ضاقت بهم الحسابات، قفزوا من المركب المتصدع باحثين عن شرعية جديدة في خطاب “الحلول”.
ما يدعو للسخرية المؤلمة هو أنهم لا يزالون يحاولون التحكم في مستقبل السودان، لا من خلال تفويض شعبي، بل عبر منابر “التوبة التكتيكية”، وكأن الشعب السوداني قد فقد ذاكرته أو لم يعِ بعد من أشعل الحريق. إن الأخطر من الحرب هو محاولات إعادة تدوير أدواتها القديمة على هيئة وجوه جديدة، تدّعي الحكمة بعدما فرغت من سفك الدم.
إذا كان عزت وغيره صادقين فعلًا في حرصهم على وحدة السودان، فليبدأوا بالاعتراف أولًا بمسؤوليتهم، لا القفز إلى موقع النصح من دون حساب. فالشعب السوداني ليس بحاجة إلى مزيد من الكلمات المنمقة من أفواه شاركت في الخراب، بل إلى فعل واضح: وقف الحرب فورًا، تسليم السلاح، الانخراط في مسار مدني حقيقي، والقبول بمحاسبة عادلة لكل من ارتكب جرائم بحق الوطن والمواطن.
ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس: هل يمكن حل الأزمة السودانية؟ بل: من يملك حق الحديث عن الحل بعد أن تلطخت يداه بالدم؟
إن خلاص السودان لن يأتي من أعمدة الصقور السابقة، ولا من عبارات منزوعة المصداقية، بل من يقظة شعب يعرف من خانه، ويعرف أيضًا كيف يسترد وطنه.
