سودان تمورو:
في الوقت الذي يعاني فيه السودانيون ويلات حرب مستعرة، تأتي تصريحات وزير العدل السوداني، عبدالله درف، كموقف نادر في صدقه وجرأته، حين طالب الخبير الأممي رضوان نويصر بالإشارة الصريحة لانتهاكات قوات الدعم السريع في تقارير حقوق الإنسان. ليست مجرد مطالبة سياسية، بل استغاثة قانونية وأخلاقية، تُحاول أن تنتزع من ضمير العالم لحظة صحوٍ إنساني طال انتظارها. فالمجزرة التي يعيشها السودان لا تحتمل المزيد من الإنكار أو التسويف أو دفن الحقائق تحت رماد المصالح الدولية. لقد تحوّل السودان إلى جرح مفتوح في الجسد الإنساني، وملف الانتهاكات صار أكثر حضوراً من أن يُخفى، وأكثر فظاعة من أن يُبرر.
الواقع المرير لا يحتاج إلى دليل، فكل شبر في السودان يشهد على حجم الإجرام الذي مارسته مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين. لا حديث هنا عن مجرد تجاوزات فردية، بل عن سلوك ممنهج سمح فيه القادة لجنودهم بالنهب و”الشفشفة” والاغتصاب، بل شجّعوهم عليه كوسيلة لتثبيت الولاء ومنع التمرد. إنها فلسفة قذرة في إدارة الحرب، تقوم على استباحة الإنسان وتفكيك المجتمع من الداخل، عبر إذلال الرجال وترويع النساء وسرقة الممتلكات. كيف يمكن للعالم أن يرى كل هذا ويصمت؟ أو يتلكأ في وصف ما يحدث بالجرائم ضد الإنسانية؟ ما الذي تبقّى من المبادئ الحقوقية إن كان الدم السوداني رخيصاً في بورصة المواقف الدولية؟
إن رفض درف لأي رواية لا تستند إلى الجهات الرسمية، يُفهم خطأ على أنه انحياز للسلطة، لكنه في الحقيقة يعبّر عن رغبة في تثبيت الوقائع ضمن قنوات لا تتيح للقوى الدولية التلاعب بالسرديات. نعم، الحقيقة في السودان لا تحتاج إلى تزويق، لكنها تحتاج إلى اعتراف، إلى تحويل الشهادات المروعة إلى ملفات قانونية، إلى بناء سجل جرائم متكامل يصعب طمسه تحت ذرائع “عدم التحقق” أو “ازدواج المصادر”. إن جرائم بهذه الفظاعة، موثقة بالصوت والصورة والروايات الحيّة، ينبغي أن تُطارد مرتكبيها في كل محكمة دولية، لا أن تُنتزع منها شرعيتها بسبب غياب ختم رسمي هنا أو توقيع هناك.
وما يُفاقم المأساة هو موقف المنظمات الحقوقية الدولية، التي يبدو أنها اختارت ارتداء قناع العجز الانتقائي، متى ما تعارضت مبادئها المعلنة مع مصالح مموليها. لقد أصبح مألوفاً أن تتحرك هذه المنظمات كصقور إذا مست الفظائع بلدًا في دائرة النفوذ الغربي، لكنها تتحول إلى سلاحف بطيئة إذا كان الضحية في إفريقيا المنسية، حيث لا نفط يُغري ولا مصالح تُستفز. فهل ما يحدث في السودان أقل بشاعة من غيره؟ أم أن الميزان الإنساني العالمي بات معطوباً لا يُصدر إنذارًا إلا حين تُقرعه الأجندة السياسية؟
إن التاريخ لا يُدار بالرماد، بل بالحقائق المشتعلة. وما يتعرض له الشعب السوداني اليوم لا يمكن تسويفه تحت مظلة “التقديرات”، ولا يجوز التفاوض عليه في كواليس المنظمات. لقد آن الأوان لأن يُقال بوضوح: إن صمت العالم هو جريمة أخرى، لا تقل فظاعة عن جريمة الاغتصاب الجماعي أو التطهير العرقي أو الإبادة البطيئة التي تنفذها هذه المليشيا. آن الأوان لفرض العقوبات، لتفعيل العدالة الدولية، لفتح ملفات المحكمة الجنائية، ليس من باب المجاملة، بل من باب رد المظالم إلى أهلها.
وإذا كانت دعوة وزير العدل صوتًا في برية السياسة الدولية، فإنها تمثل من جهة أخرى محاولة أخيرة لإعادة تعريف العدالة في عالم أعمته المصالح. فليت العالم يدرك أن الضحية السودانية لا تطلب الشفقة، بل الحق. لا تبتغي التضامن الموسمي، بل موقفًا مبدئيًا لا يُقايض الحقيقة بالتحالفات. في النهاية، ما يُطالب به السودانيون ليس أكثر من العدالة التي تُرفع شعارًا في كل محفل دولي، لكنهم لم يروها بعد إلا على أوراق المؤتمرات.
وإلى حين أن يتحقق ذلك، سيبقى صراخ الضحايا يملأ سماء الخرطوم ودارفور وكل بقعة استُبيحت فيها الكرامة، وسيتحول صمت العالم إلى شريك في الجريمة، وشاهد زور على مأساة وطن يموت على مرأى ومسمع من الحضارة.
