سودان تمورو
في مشهد يلخّص تناقضات العقل الإمبريالي الغربي، أطل دونالد ترامب بتصريحات تجمع بين السخرية من الخطر النووي والتغاضي عن الإبادة الجماعية في غزة. الرجل الذي لا يتورع عن إعطاء الضوء الأخضر لمجازر يرتكبها حلفاؤه، يعود ليرتدي قناع الرقة عندما يُذكر النووي الروسي، قائلاً إن عينيه “تلمعان” وإن قلبه “يرقّ” عند سماع كلمة “نووي”. فهل تُقاس خطورة الجرائم بسياقها الجغرافي؟ وهل تُغتفر الإبادة إذا نفذتها إسرائيل وتُدان فقط إذا وردت في سياق لا يروق لواشنطن؟
في الأمس القريب، حين رفضت حماس الاستسلام، قال ترامب إنه لا يمانع استمرار الحل العسكري الإسرائيلي، متجاهلاً أن هذا “الحل” يتضمن سحق المستشفيات، حرق الأحياء، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين. موقف لم يحمل ذرة تعاطف مع سكان غزة، بل جاء كإجازة صريحة للقتل الجماعي، تحت مبرر واهٍ هو “حق إسرائيل في الدفاع”. واليوم، يقف ترامب ليتندّر على تصريحات ميدفيديف حول النووي ويصفها بـ”السخيفة”، بينما يتظاهر بالجزع عند مجرد ذكر الكلمة. المفارقة صارخة: أيّ سخف هذا الذي يجعل التلويح بسلاح لم يُستخدم بعد أكثر إثارة للرعب من سلاح يُستخدم يومياً لإبادة شعب بأكمله؟
التفسير لا يخرج عن أحد أمرين: إما ازدواجية معيارية صارخة ترى أن الدم الفلسطيني لا وزن له، وأن المجازر مبررة طالما ترتكبها إسرائيل، أو أن ترامب يمارس براغماتية سياسية خالصة، يخاطب بها جمهوره الداخلي بوجه، ويغازل بها حلفاءه بوجه آخر. ففي الداخل الأمريكي، التلويح بالحرب النووية مرفوض، أما دعم إسرائيل بلا قيد ولا شرط، فهو استثمار انتخابي مضمون. هذه اللعبة الرخيصة على أوتار المبادئ تكشف أن “الرقة” التي يدّعيها ترامب ليست سوى أداة ظرفية، وأن “العيون اللامعة” ما هي إلا ستار لتبرير سياسات مغمّسة بالدماء.
الرسالة التي ترشح من خطاب ترامب لا تخطئها العين: حياة شعوب العالم تقاس بمقياس الولاء لواشنطن، فمن كان ضمن دائرة الحظوة السياسية فدمه محميّ، ومن خرج عنها فدمه مباح. إنها عقلية استعمارية تعود بثوب جديد، عقلية ترى في غزة مجرد ساحة رماية، وفي أطفالها مجرد “خسائر جانبية”، بينما تنهض الدنيا ولا تقعد عندما يُلوّح خصم نووي بسلاحه.
والمؤلم في المشهد كله، أن هذه الازدواجية لم تعد تُمارَس خفية، بل باتت جزءاً من الخطاب العلني. يُشرّع القتل في غزة ببيانات رسمية، ويُدان العنف نفسه في مناطق أخرى بأشد العبارات. فهل المطلوب من ضحايا الحروب أن ينالوا شهادة “التحضّر” و”الانتماء للغرب” كي يُعترف بآلامهم؟ وهل تساوي صور الأطفال المذبوحين شيئاً في ميزان النفاق السياسي العالمي؟
إن تناقضات ترامب ليست إلا انعكاساً لواقع دولي مريض، تقوده قوى تلبس قناع الإنسانية حين تشاء، وتنزعه حين تمارس هوايتها المفضلة: إدارة الحروب بالريموت كنترول. وإذا كان ترامب يريد من العالم أن يصدّق أنه يملك قلباً رقيقاً، فعليه أن يبدأ بسحب دعمه العلني للإبادة في غزة، وإلا فإن كل حديثه عن “النووي” لن يكون أكثر من مسرحية مملة، بطلها رجل لا يعرف من الرحمة سوى نطقها.
