سودان تمورو:
ما قاله رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، في قرية ود النورة لم يكن مجرد خطاب تعبوي عابر، بل إعلان صارخ أن المعركة مستمرة حتى النهاية، نهاية يراها مرهونة بالقضاء على “آخر متمرد” وتطهير دارفور مما أسماه بـ”العدوان الغاشم”. غير أن هذا النوع من الخطاب، حين يُفكك في سياق الميدان والواقع الإنساني الكارثي، يفتح بابًا على أسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة. فالتمسك بالخيار العسكري الكامل في ظل غياب خطة إنقاذ عاجلة للمدنيين المحاصرين قد لا يبدو موقفًا بطوليًا، بقدر ما يبدو مغامرة غير محسوبة تُهدد ما تبقى من أمل في استقرار الوطن.
البرهان يخاطب الجماهير كما لو أنه يخوض حربًا تقليدية ضد عدو خارجي، بينما الحرب في جوهرها حرب أهلية تتغذى على انقسامات اجتماعية وتاريخ طويل من الإقصاء والهشاشة السياسية. إن دعوته لمواصلة القتال حتى “استئصال التمرد” قد تبدو منطقية من منظور عسكري ضيق، لكنها تتجاهل حقيقة مرة: أن الأرض التي يُراد “تطهيرها” ليست مجرد مسرح عمليات، بل موطن لملايين من المواطنين الذين صاروا عالقين بين قصف الطيران وتنكيل المليشيات.
تحية البرهان لصمود مواطني الفاشر وكادقلي والدلنج تحمل بُعدًا معنويًا، نعم، لكنها سرعان ما تتحول إلى مجرد كلمات جوفاء حين يُطرح السؤال الأكثر إلحاحًا: أين هي الخطة العسكرية العاجلة لحماية هؤلاء المدنيين؟ هل الجيش قادر فعليًا على اختراق حصون الدعم السريع؟ أم أن الخطاب العنيد يُخفي عجزًا ميدانيًا عن تحقيق اختراق نوعي؟ إذا كان البرهان يملك هذه الخطة فليُخرجها إلى حيز التنفيذ، وإن لم تكن موجودة، فعليه أن يتحلى بالشجاعة لاختيار مسار مختلف. الصمت أمام اتساع رقعة سيطرة الدعم السريع في دارفور، مقابل الاكتفاء بالوعود الكبرى، هو في حد ذاته إدانة لإدارة الحرب.
صحيح أن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع جعلت من الصعب إعادة إدماجها في الحياة السياسية أو حتى قبولها اجتماعيًا، لكن هذا لا يعني أن الحل العسكري هو الطريق الوحيد. فالإصرار على “النصر الكامل” دون النظر إلى الكلفة، قد يعني ببساطة دمار ما تبقى من بنية الدولة، واستنزاف ما تبقى من الروح الوطنية. التاريخ القريب في السودان يُخبرنا أن النصر العسكري لا يصنع سلامًا دائمًا، بل يصنع هدنة مؤقتة على أرض مشحونة بالرغبة في الانتقام، والتطلع لفرصة أخرى للثأر.
المأزق لا يقتصر على الجيش وحده، بل يمتد إلى وجدان شعبٍ أنهكته الحرب، لكنه لا يستطيع أن يتقبل واقع التعايش مع قوى انتهكت حرماته. وهنا تتجلى المفارقة: هل يُقبل بسلامٍ مع من ارتكب المجازر، أم يُخاض قتالٌ يستهلك أرواح الأبرياء؟ في هذا المفترق، يجب التفكير خارج الثنائيات: لا حرب بلا نهاية، ولا سلم دون ضمانات. بينهما يمكن البحث عن طريق ثالث، ربما بوساطة دولية صارمة، أو بتفكيك الخطاب الإقصائي الذي يُصور الصراع وكأنه بين جيش نظامي ومجموعة من “المرتزقة” فحسب، بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
لقد آن الأوان لإدراك أن الحرب، مهما طالت، لن تُعيد بناء السودان. من يراهن على النصر الكامل عليه أن يتذكر أن الخراب الشامل أقرب كثيرًا من هذا النصر. وأن من يتحدث عن استئصال التمرد، دون أن يُقدم خطة لحماية المواطنين، إنما يُشارك، بقصد أو دون قصد، في استمرار الكارثة. المطلوب الآن ليس فقط صمودًا عسكريًا، بل شجاعة سياسية، تعترف بأن هذا البلد لا يتحمل المزيد من الدم، وأن الوطن لا يُبنى على الأنقاض، بل على التوافق، مهما كان مرًا.
السؤال الحقيقي إذن ليس: متى ينتهي التمرد؟ بل: متى يبدأ التفكير الجاد في مستقبلٍ سوداني يتجاوز لغة البنادق والتهديدات؟ وإذا لم يُجب البرهان على هذا السؤال، فستبقى خطاباته، مهما علت نبرتها، مجرد صدى في وادٍ موحشٍ من الألم والضياع.
