الخميس, مايو 14, 2026
الرئيسيةنبض الصحافةحصار الفاشر.. جريمة جوع تُرتكب على مرأى من العالم!

حصار الفاشر.. جريمة جوع تُرتكب على مرأى من العالم!

سودان تمورو:

في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تتجلى في مدينة الفاشر مأساة لا تُشبه سوى أكثر فصول التاريخ ظلمة، حيث يُحاصر نحو 300 ألف إنسان من قبل قوات الدعم السريع، ويُمنعون من الحصول على الغذاء والدواء، في مشهد يتحدى كل ما تبقى من إنسانية. شاحنات برنامج الأغذية العالمي تقف محمّلة بالطعام على أبواب المدينة، تنشر صورها في وسائل الإعلام، وتقول صراحة: “ننتظر التصاريح والممرات الآمنة”، وكأن إنقاذ الأرواح أصبح مرهونًا بموافقة من يفرض الحصار!

الحكومة السودانية، على عكس ما يظنه البعض، لم تصمت. بل نددت مرارًا بحصار الفاشر، وطالبت المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته، وبتحرك عاجل لوقف هذا الانتهاك الخطير. لكن التنديد وحده، مهما تكرر، لا يكفي أمام مأساة إنسانية بهذا الحجم. ما يحدث في الفاشر لا يحتاج إلى بيانات، بل إلى إرادة دولية تفرض كسر الحصار، وتُجبر المعتدين على التراجع فورًا. إن من يمنع الطعام عن المدنيين، لا يشن حربًا، بل يرتكب جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية.

قوات الدعم السريع، بهذا السلوك، تسقط سقوطًا أخلاقيًا كاملاً. فهي لا تواجه مقاتلين، بل تُجَوّع مرضى وأطفالًا ونساء وشيوخًا. تستخدم الجوع كسلاح قذر لإخضاع مدينة بأكملها، وتُعامل سكانها كرهائن سياسيين. حين تُعتبر مدينة كاملة هدفًا عسكريًا، لمجرد أنها خارج سيطرة المليشيا، فإن مفهوم الوطن نفسه يصبح مُعلّقًا على فوهة بندقية.

أما المجتمع الدولي، فلا يزال يكتفي بالمراقبة، والتعبير عن “القلق” و”الأسف”. تغريدة واحدة من برنامج الأغذية العالمي تكشف عجزًا دوليًا مخزيًا: الطعام موجود، والجهات الإنسانية جاهزة، لكن لا أحد يملك الجرأة على فرض مرور المساعدات. السودان لا يزال خارج أولويات العالم، كأن حياة الأفارقة أرخص من أن تُحرك قرارًا دوليًا حازمًا.

ووسط هذه المأساة، يجب القول بوضوح: الحكومة السودانية، رغم بياناتها وتنديدها، مطالبة بتحويل الموقف السياسي إلى فعل عملي يوقف الحصار. لا يكفي تحميل المسؤولية للدعم السريع، بل يجب حشد كل الموارد والتحالفات والضغوط لتأمين ممرات آمنة عاجلة. كما أن قوى المعارضة وكل الفاعلين السياسيين مطالبون بموقف موحد، يتجاوز الحسابات الضيقة، لرفض هذه الجريمة علنًا وفعليًا.

الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة محاصَرة، بل مرآة تكشف هشاشة الضمير الإنساني. إنها تُمتحن في ضميرنا كعالم، كدولة، كشعب. والأمر لا يحتاج إلى عبارات رثاء، بل إلى خطوات عملية تنقذ حياة الأبرياء. من ينجو من الجوع اليوم، قد لا ينجو غدًا من المرض أو القصف أو النزوح، إن تُرك هذا الحصار ليتواصل تحت غطاء الصمت والتقاعس.

الفاشر تنادي. ليس بصوتها فقط، بل بجوعها، وخوفها، وصمت موتاها. فهل من يسمع قبل أن تُكتب النهاية في صمت؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات