خاص سودان تمورو
حين تتعمق الحرب في كردفان، لا تتغير فقط خارطة المعارك، بل تتبدل قواعد اللعبة القبلية التي طالما كانت عاملًا حاسمًا في توازنات الصراع السوداني. قرب جبهات القتال من الحواضن الاجتماعية لقوات الدعم السريع ليس مجرد تحول ميداني، بل زلزال نفسي ومعنوي يضرب عمق التحالفات التقليدية، ويضع القبائل الكبرى—المسيرية، الرزيقات، الحوازمة—أمام امتحان وجودي حاسم. هذه القبائل، التي وقفت إلى جانب “حميدتي” في لحظة بدا فيها وكأنه الحصان الرابح، تجد نفسها اليوم محاصرة بين جمرين: الاستمرار في معركة بدأت تفقد بريقها، أو الانسحاب الذكي قبل أن تنهار المنظومة من الداخل. في ظل هذا التحول، لم تعد المسألة مجرد ولاء أعمى، بل حسابات دقيقة تنبني على ثلاثية: الجغرافيا، المصالح، والخوف من الغدر. فالقرب الجغرافي من جبهات القتال بات يهدد أمن مجتمعات القبائل نفسها، التي لطالما دعمت الدعم السريع عن بعد، لكنه الآن يقاتل في عقر دارها. لم تعد القبائل تتفرج على الحرب، بل باتت ترى أبناءها في مرمى النيران، وترى قراها مهددة بأن تتحول إلى ساحة معركة. هنا يصبح الخيار صعبًا: إما الاستماتة في القتال دفاعًا عن الولاء القديم، أو الانسحاب في الوقت المناسب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. الجانب الجهوي يظل العامل الأبرز في استمرار هذا الولاء. فالكثير من أبناء هذه القبائل يرون في الدعم السريع ممثلًا لصوت الهامش، وضمانة لعدم العودة إلى التهميش التاريخي على يد السلطة المركزية. الخوف من الغدر، من أن يتم تصفيتهم سياسيًا أو عسكريًا في حال التخلي عن الميليشيا، لا يزال يقف حاجزًا نفسيًا أمام أي خطوة للانسحاب. لكن هذه المخاوف، مهما بلغت مشروعيتها، تضعف يومًا بعد يوم، كلما فقدت قوات الدعم السريع الأرض، وخسرت مصادر التمويل، وازداد الضغط الدولي. وإذا ما استمر تراجع الميليشيا ميدانيًا، وتهاوت المدن التي تسيطر عليها، فإن “الصفقة” التي كانت تُهمس في المجالس القبلية ستتحول إلى خيار معلن. القبائل لن تقاتل حتى النهاية من أجل مشروع لم يعد له مستقبل، ولن تضحي بأبنائها في حرب لا تملك زمام قرارها. اللحظة التي تبدأ فيها الإدارات الأهلية بسحب أبنائها من صفوف الدعم السريع ستكون لحظة فارقة، لا في مسار الحرب فحسب، بل في إعادة رسم خريطة النفوذ الأهلي والسياسي في السودان. وهنا يأتي دور الجيش، لا كمجرد طرف في القتال، بل كصاحب مشروع لإعادة دمج هذه القبائل في المنظومة الوطنية. فإن لم يُقدم مبادرات واضحة، تضمن أمن من يتخلون عن القتال وتفتح لهم باب العودة الكريمة، فقد تذهب القبائل من حضن الميليشيا إلى عزلة قاتلة، لا مع هؤلاء ولا مع أولئك. المطلوب ليس فقط العفو، بل الاعتراف بالدور الأهلي والقبلي، وإشراكهم في صياغة ما بعد الحرب، لا معاملتهم كأتباع مهزومين. السؤال الجوهري اليوم لم يعد: مع من تقاتل القبائل؟ بل: متى وأين ستنهي القتال؟ وفي يد من تضع أوراقها حين يتضح أن المعركة باتت خاسرة؟ فالولاء، مهما بدا صلبًا، ليس سوى انعكاس لقوة اللحظة، وإذا تغيّرت موازينها، ستتكشف حقيقة لا مفر منها: أن القبائل لا تحارب من أجل مبادئ، بل من أجل البقاء. وعندما يصبح البقاء نفسه مهددًا، يسقط القناع، وتُعقد الصفقات.
