سودان تمورو:
أفادت مصادر دبلوماسية غربية مطلعة بأن لقاءً مغلقاً جرى مؤخراً في مدينة زيورخ السويسرية بين رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ومستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، حيث ناقش الطرفان ملفات حساسة تتعلق بالأزمة السودانية. اللقاء الذي انعقد في الحادي عشر من أغسطس الجاري واستمر قرابة ثلاث ساعات، لم تُكشف تفاصيله رسمياً من قبل الجهات السودانية أو الأميركية، وسط تكتم ملحوظ على مجريات الحوار.
وبحسب المعلومات وفق موقع “سودان تربيون”، فإن النقاشات الأولية بين الجانبين تناولت سبل تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، ووقف الأعمال العدائية، إلى جانب طرح تصور أولي لعملية سياسية يُفترض أن تقتصر على الأطراف المدنية، مع استبعاد كافة القوى المتحاربة، بما في ذلك الحركات المسلحة والميليشيات. وأشارت المصادر إلى أن المباحثات شملت أيضاً مساراً غير معلن يتعلق بمستقبل الحركات المسلحة وقوات الدعم السريع، إلى جانب ضمانات لحماية المؤسسة العسكرية السودانية من التدخلات السياسية.
وخلال اللقاء، قدم المسؤول الأميركي للبرهان معلومات وصفها المصدر بأنها موثقة، تتعلق باستخدام أسلحة محظورة دولياً في النزاع، إلى جانب ارتكاب انتهاكات جسيمة من قبل أطراف النزاع، دون أن تُحدد الجهة المسؤولة عن تلك الوقائع. وأوضحت المصادر أن الهدف من اللقاء لم يكن التفاوض حول خريطة طريق أو طرح رؤية أميركية محددة لإنهاء الحرب، بل السعي إلى تحسين مستوى التفاهم بين واشنطن والقيادة السودانية في هذه المرحلة الحرجة.
وفي سياق متصل، تداولت وسائل إعلام تقارير تفيد بأن البرهان أبلغ بولس خلال اللقاء أن قوات الدعم السريع لن يكون لها أي دور سياسي في السودان عقب انتهاء الحرب، في إشارة إلى توجهات القيادة العسكرية بشأن مستقبل الترتيبات السياسية في البلاد. ولم يصدر أي تعليق من المكتب الإعلامي لقوات الدعم السريع بشأن ما تردد في الأيام الماضية حول زيارة قائدها محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، إلى مدينة جنيف ولقائه بمسعد بولس، وسط استمرار الغموض حول تحركات قيادات الأطراف المتحاربة خارج البلاد.
قي سياق اخر أعلنت التشكيلات العسكرية المنضوية تحت مظلة القوات المشتركة، والتي تضم فصائل وقعت على اتفاق جوبا للسلام، رفضها للقرار الصادر عن قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القاضي بإخضاع جميع القوات المساندة العاملة إلى جانب الجيش لسلطة القيادة العسكرية المباشرة، وفقاً لأحكام قانون القوات المسلحة السودانية لعام 2007 وتعديلاته. ويأتي هذا الرفض في ظل تصاعد التباينات بين القيادة العسكرية الرسمية وبعض الحركات المسلحة التي تقاتل إلى جانبها ضد قوات الدعم السريع منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023.
وفي موقف علني عبّر عنه القيادي في حركة العدل والمساواة، إدريس لقمة، عبر منشور على صفحته بموقع فيسبوك، أكد أن القوات المشتركة لا تعتبر نفسها معنية بالقرار الأخير، مشيراً إلى أن علاقتها بالقوات المسلحة السودانية تستند إلى بروتوكول الترتيبات الأمنية المنصوص عليه في اتفاق جوبا الموقع عام 2020، والذي يمثل المرجعية القانونية والسياسية الوحيدة لتنظيم العلاقة بين الطرفين. وشدد على أن أي إجراءات تتعلق بإعادة الهيكلة أو التسريح يجب أن تتم حصراً عبر الآليات المتفق عليها في الاتفاق، ومن ثم تخضع لقوانين القوات المسلحة والإصلاحات المستقبلية.
وأوضح لقمة أن القرار الصادر عن قائد الجيش يستهدف بصورة أساسية تشكيلات أخرى نشأت بعد اندلاع الحرب، مثل قوات درع السودان، وفيلق البراء بن مالك، والمجموعات المعروفة باسم المقاومة الشعبية، وهي كيانات لم تكن جزءاً من اتفاق جوبا وتعمل ضمن إطار تعبئة شعبية مساندة للجيش. ويعكس هذا التباين في المواقف حجم التعقيد الذي يواجه المشهد العسكري السوداني، حيث تتداخل مصالح الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقات دولية مع توجهات القيادة العسكرية التي تسعى إلى فرض الانضباط وتوحيد القيادة تحت مظلة مركزية.
وكان الجيش السوداني قد أصدر بياناً رسمياً يوم الأحد أكد فيه صدور قرار من الفريق أول عبد الفتاح البرهان يقضي بإخضاع جميع القوات المساندة التي تحمل السلاح وتعمل إلى جانب القوات المسلحة لأحكام قانون الجيش، بما يشمل تنظيم الهياكل، وضوابط التدريب، وتحديد المهام، إضافة إلى تعريف الجرائم العسكرية والعقوبات المرتبطة بها. ولم يتضمن القرار تحديداً دقيقاً لأسماء التشكيلات المعنية، غير أن الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023 شهدت مشاركة واسعة من حركات مسلحة موقعة على اتفاق السلام، إلى جانب مجموعات أخرى غير رسمية، تحت مظلة ما يُعرف بالقوات المشتركة.
وتشير تقديرات صادرة عن الأمم المتحدة والجهات المحلية إلى أن النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 أدى إلى سقوط أكثر من 20 ألف ضحية، إلى جانب نزوح ولجوء نحو 15 مليون شخص داخل السودان وخارجه. فيما كشفت دراسة أجرتها مجموعة من الجامعات الأميركية أن عدد الضحايا قد يقترب من 130 ألفاً، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها النزاع المستمر في البلاد.
