خاص سودان تمورو
لا يُمكن أن يُبنى وطن على دماء أبنائه، ولا أن تُقام عدالة على جماجم ضحاياه. حين يخرج فارس النور متحدثًا عن حكومة تأسيس وبشائر عهد جديد، بينما يتحدث عن دارفور بأسى، يبدو المشهد مليئًا بالتناقض والخذلان. فكيف يستبشر بنصر من كانوا بالأمس العصا التي هشّت على ظهور أهل دارفور، والبندقية التي وُجّهت إلى صدورهم، وعود الثقاب الذي أضرم النار في قراهم وأحالها رمادًا؟
إنّ من يعتبرهم اليوم نصراً لأهل دارفور كانوا اليد الباطشة التي استخدمها النظام البائد لإذلالهم وقهرهم. فكيف تتحوّل البندقية التي حصدت الأرواح إلى مرجعية لبناء دولة الحق؟ وكيف يطالبنا فارس النور أن نُصدّق بأن العدالة يمكن أن تولد من رحم القهر؟ إنّ هذا الوهم لا يُقنع أحدًا، ولا يغيّر حقيقة أن دارفور كانت وما زالت الجرح النازف في جسد الوطن.
الشعارات التي تُرفع اليوم عن العدالة وحقوق المواطنة، حين تأتي على لسان من يحتفون بجلادي الأمس، لا تساوي أكثر من كلمات جوفاء. فدموع الأسى لا تمحو الدماء المسفوكة، والخطابات الرنّانة لا تبعث القرى المحترقة من تحت الرماد. دارفور لا تحتاج إلى خطب مزدوجة، بل إلى اعتراف صريح بالجرائم، وإلى محاسبة عادلة، وإلى إنصاف حقيقي يعيد لأهلها بعضًا من حقهم المسلوب.
لن يستقيم الظل والعود أعوج، ولن يكون الجلادون حرّاسًا للعدالة مهما تزيّنوا بالشعارات. فالوطن لا يُبنى على الزيف، والمستقبل لا يولد من رحم البنادق، والذاكرة لا تُمحى بدموع مصطنعة. إنّ شعب دارفور الذي عرف النار لن يخدعه رماد الكلام، ولن يقبل أن تتحوّل مأساته إلى سلّم يتسلق عليه المتناقضون نحو السلطة.
هذا وطن يحتاج إلى مصالحة حقيقية تُبنى على المحاسبة والعدالة الانتقالية لا على التزييف، وإلى صوت صادق لا يخشى قول الحقيقة، لا إلى فارس يتغنّى بنصرٍ يجرح الضحايا مرّة أخرى.
