الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارقصف "التكايا" في الفاشر… جريمة لا تغتفر ووصمة عار على جبين الإنسانية

قصف “التكايا” في الفاشر… جريمة لا تغتفر ووصمة عار على جبين الإنسانية

خاص سودان تمورو

لا يملك القلم أن يصف فداحة الجريمة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بقصفها مطابخ “التكايا” التكافلية في مدينة الفاشر، تلك المطابخ التي تحولت إلى الملاذ الأخير لعشرات الآلاف من الجوعى تحت الحصار. هذه ليست مجرد منشآت خيرية أُحرقت، بل هي شرايين حياة قطعتها آلة الحرب بدم بارد، في جريمة لا تنتمي إلا إلى منطق الإبادة وتجريد البشر من إنسانيتهم.

لقد اعتاد أهل دارفور على سلسلة طويلة من المآسي: القتل والتشريد والنهب وانتهاك الحرمات. لكن ما يجري اليوم تجاوز كل الحدود، فحتى اللقمة التي يسعى إليها الجائع لم تسلم من نيران البنادق. أي عقل يستوعب أن يُقصف صف من النساء والأطفال والشيوخ، لا يحملون سوى أوعية فارغة بانتظار وجبة يسيرة تسند جوعهم؟ أي منطق عسكري يمكن أن يبرر هذه البربرية؟

تبريرات الدعم السريع بأن الفاشر “منطقة عمليات” وأن سكانها “مقاتلون” ليست سوى فرية ساقطة. أي مقاتل هذا الذي تنهشه المجاعة، أو طفل يتشبث بيد أمه باكياً؟ أي تهديد يشكله شيخ مقعد ينتظر بضع ملاعق من الفول أو العدس؟ إن استهداف التكايا لا علاقة له بالمعارك، بل هو سياسة متعمدة لتجويع المدنيين وإخضاعهم بالموت البطيء.

إن ما جرى في الفاشر لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة حرب مكتملة الأركان، وجريمة ضد الإنسانية بكل المعايير. فالتجويع ممنوع صراحة في القانون الدولي الإنساني، واستهداف المدنيين في أماكن الإغاثة يشكل وصمة عار لا تسقط بالتقادم.

المجتمع الدولي، الذي يرفع شعارات حماية المدنيين، يقف حتى الآن صامتاً أمام هذه المأساة. لكن الصمت لم يعد ممكناً. قصف التكايا ليس حادثة عابرة، بل جزء من استراتيجية لتدمير المدن وتجفيف موارد الحياة فيها. وإن لم يتحرك الضمير العالمي اليوم، فإن الفاشر ستتحول إلى مقبرة جماعية معلنة على مرأى من العالم كله.

رغم الجوع والحصار، لن تنكسر إرادة أهل دارفور. فالتاريخ علمنا أن الشعوب التي تتشبث بالحياة في وجه الموت هي التي تنتصر في النهاية. أما أولئك الذين يقصفون الجوعى، فإنهم يكتبون بأيديهم نهايتهم، ويحفرون لأنفسهم مكاناً مظلماً في سجل العار الإنساني.

إن قصف “التكايا” ليس مجرد حدث دموي آخر في حرب عبثية، بل هو دليل على أن هذه الميليشيات لا تقاتل جيشاً بقدر ما تشن حرباً على الإنسان نفسه. ومن هنا، يجب أن تكون الفاشر نقطة تحول: نقطة يقال عندها بوضوح إن تجويع المدنيين وقصف موائد الفقراء هو خط أحمر لا يمر دون حساب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات