الخميس, مايو 7, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالذهب بين قبضة الدولة وحرية السوق.. قرار الطوارئ الاقتصادية في الميزان!

الذهب بين قبضة الدولة وحرية السوق.. قرار الطوارئ الاقتصادية في الميزان!

حاص سودان تمورو

في لحظة فارقة من عمر الاقتصاد السوداني، الذي يترنح تحت وطأة الانهيار المتسارع للعملة الوطنية، اتخذت لجنة الطوارئ الاقتصادية قراراً مثيراً للجدل بحصر شراء وتسويق الذهب في جهة حكومية واحدة، على أن تلتزم هذه الجهة بتوفير النقد الأجنبي اللازم للمستوردين. خطوة تعكس إدراك الدولة لخطورة الموقف بعد أن تجاوز سعر الدولار حاجز الثلاثة آلاف جنيه، وتهاوى الجنيه إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفعت أسعار السلع الأساسية لتثقل كاهل المواطن. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يكفي هذا القرار لوقف النزيف؟

من حيث المبدأ، فإن توجه الدولة لتجميع عائدات الذهب عبر قنواتها الرسمية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها قد تتحول إلى سيف ذي حدين إذا لم تُستكمل بالشروط الموضوعية التي تجعلها قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. فاحتكار شراء الذهب دون تقديم سعر تنافسي للمنتجين سيعني ببساطة فتح الباب واسعاً أمام التهريب، وسيجد المعدنون الصغار والتجار أن السوق الموازي أكثر عدلاً وربحية من البيع للجهات الرسمية. ولنا أن نتساءل: كيف يمكن للدولة أن تنتصر في معركتها ضد المهربين إذا لم تضع نفسها في موقع المنافس الحقيقي لهم؟

المنطق الاقتصادي البسيط يفرض أن تشتري الحكومة ذهب الصادر بسعر السوق الموازي للدولار، حتى تتمكن من اجتذاب المنتجين والتجار بعيداً عن قنوات التهريب. عندها فقط ستدخل العملة الصعبة إلى خزائن الدولة بدلاً من أن تتسرب إلى جيوب المضاربين، وسيكون بمقدور الحكومة استخدامها في تمويل الاستيراد وتخفيف الضغط على الجنيه. إن أي محاولة لفرض سعر إداري أقل من سعر السوق لن تجدي نفعاً، بل ستزيد من حدة الفوضى، وتُفقد الدولة ثقة الفاعلين في السوق.

أما قرار مراجعة استيراد السيارات، فهو خطوة في إطار ترشيد استخدام النقد الأجنبي، لكنه لا يمس جوهر الأزمة. فالقضية ليست في تقييد بعض الواردات، بل في معالجة الخلل البنيوي بين ما يصدره السودان وما يستورده. والذهب هنا ليس مجرد سلعة، بل هو شريان الحياة الاقتصادية، والمفتاح الحقيقي لسد فجوة النقد الأجنبي إذا أحسنت الدولة إدارته.

الأزمة السودانية أكبر من مجرد سعر صرف؛ إنها أزمة ثقة وسياسات متخبطة وصراع يلتهم الإنتاج ويقوض الاستقرار. التضخم ينهش مدخرات المواطنين، وعجز الموازنة يزداد بفعل طباعة النقود، والقطاعات الزراعية والنفطية تعاني من الانكماش، فيما يظل التهريب ينزف الموارد بلا توقف.

الخلاصة أن قرار حصر شراء الذهب بيد الدولة قد يكون خطوة منقذة إذا تعاملت معه الحكومة بواقعية ومرونة، واستوعبت أن السوق لا يُدار بالشعارات ولا بالأوامر، بل بالتوازن بين مصالح المنتجين وحاجات الدولة. الخيار اليوم أمام الخرطوم واضح: إما أن تُمارس ذكاءً اقتصادياً يجعلها اللاعب الأقوى في سوق الذهب، وإما أن تترك الساحة للمهربين والمضاربين فيواصل الجنيه رحلة سقوطه الحر. الاقتصاد لا يرحم، ومن لا يعترف بآليات السوق سيجد نفسه خارج قواعد اللعبة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات